VoyForums
[ Show ]
Support VoyForums
[ Shrink ]
VoyForums Announcement: Programming and providing support for this service has been a labor of love since 1997. We are one of the few services online who values our users' privacy, and have never sold your information. We have even fought hard to defend your privacy in legal cases; however, we've done it with almost no financial support -- paying out of pocket to continue providing the service. Due to the issues imposed on us by advertisers, we also stopped hosting most ads on the forums many years ago. We hope you appreciate our efforts.

Show your support by donating any amount. (Note: We are still technically a for-profit company, so your contribution is not tax-deductible.) PayPal Acct: Feedback:

Donate to VoyForums (PayPal):

Login ] [ Contact Forum Admin ] [ Main index ] [ Post a new message ] [ Search | Check update time | Archives: [1] ]


[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

Date Posted: 04:42:59 01/31/03 Fri
Author: الدكتور محمد عادل التريكي
Subject: التربية والتعليم بين الهوية الثقافية وتحديات العولمة

تمهيد:
لا نجد بداية لحديثنا عن التربية والتعليم وأهميتهما من منظورنا العربي أفضل مما ورد في إحدى رسائل إخوان الصفا المرصّعة بصيغ « أفعل التفضيل » تمجيدا للتعليم ورفعة شأنه، حيث قالوا : « ليس من فريضة من بين جميع فرائض الشريعة وأحكام الناموس أوجب، ولا أفضل، ولا أجل، ولا أشرف، ولا أنفع للعبد، ولا أقرب له، بعد الإقرار به، والتصديق بأنبيائه ورسله فيما جاءوا به وخبروا عنه، من العلم وطلبه وتعليمه » .
ويشهد تاريخنا العربي والإسلامي الحديث كيف كانت التربية ركيزة أساسية من ركائز ثوراته، من الثورة الوهابية حتى ثورة يوليو، كيف سعت كذلك مخططات الاستعمار في ذلك إلى تقويض النزعات الوطنية والقومية مستخدمة سلاح التربية؛ ويكفي شاهدا على ذلك ما فعله الاستيطان البريطاني في مصر، والاستعمار الفرنسي في الجزائر، والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وما قامت به بعثات التبشير في مدارس الشام وجنوب السودان. وأزمة مجتمعنا العربي المتفاقمة هي - في جوهرها - أزمة تربوية، وليس لنا سوى التربية مخرج لانتشال أمتنا العربية من أزمتها الراهنة؛ فالتربية هي مداخلنا إلى تنمية شاملة وصامدة، ودرعنا الواقي ضد الاكتساح الثقافي في عصر العولمة، وأهم أسلحتنا في مواجهة التفوق الإسرائيلي العلمي والتكنولوجي.
والنشاط التربوي التعليمي في جوهره نشاط قصدي-معياري، ينطلق من معايير تحدد مقاصد السلوك الأمثل وما ينبغي أن يكون عليه الفرد السوي والأخلاق الفاضلة… وهو من هذا الباب نشاط مستقبلي بالدرجة الأولى، نظرا لسعيه نحو تحقيق غايات الاكتمال في تكوين إنسان الغد. لذلك فالتساؤل عن التربية الملائمة في عالم متغير "عالم الخوصصة وتحديات العولمة.." أو عن التربية الملائمة للمستقبل، تساؤل أساسي بالنسبة لعموم المربين (علماء أو ممارسين).
على أن الإلحاح في السؤال وتخصيص ملفات كاملة لمعالجته، قد يعكس، في هذا السياق بالذات، نوعا من القلق والحيرة أمام ما يمكن أن يصير عليه العالم في العشر أو العشرين سنة القادمة، وما ينبغي أن تكون عليه التربية ( والتربية المدرسية على وجه الخصوص ) إذا أرادت أن تظل أداة فعالة في "تكييف" هذا العالم "وتوجيهه"، أو على الأقل، في تكييف وتطويع الأطفال والشباب وإلى حد ما الكهول، للاندماج فيه بشكل إيجابي ومنتج. وإذا رغبت المدرسة كمؤسسة أو كنظام، في الاستمرار كاستثمار مستقبلي.
ولعل ما يبرر هذا القلق لدى بعض المستقبليين، هو أن العديد من المؤشرات تدل بما لا يدَع مجالا للشك في تصورهم، على أن المستقبل لن يكون، هذه المرة على الأقل، امتدادا للحاضر، بل سيشهد حدوث تبدلات عميقة ستجعل العالم " غير ما هو عليه ومختلف كل الاختلاف ". الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بضرورة أن يشمل التفكير والبحث، بالإضافة إلى الناحية المستقبلية للتربية، " التربية من أجل الوصول إلى عالم مثالي عن طريق التغيير الكلي ".
ودون أن ننحو هذا المنحى الموغل في التفاؤل، لا بأس من التذكير ببعض ما نلاحظه ونحياه باستمرار، من تحولات عميقة تصيب النوع والجوهر قبل الكم والشكل. ولعل أبرز مظهر لذلك، الشبكة العنكبوتية التي أصبحت تَنسج خيوطها حول الكرة الأرضية وتُطوقُها بكثافة:
· تطور وتنوع خدمات النقل والمواصلات…
· الخدمات الهاتفية والهاتف الجوال…
· السيبرنتيكا وظهور التكنولوجيا التفاعلية ( المزج بين الصورة والصوت والنص…)
· الإنترنت وتحول الحاسوب من جهاز للمعلوميات إلى جهاز للتواصل… الليزر…
· الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية…
· أطفال الأنابيب وتقنيات الاستنساخ الجيني…
· الحقيقة الخيالية أو تكنولوجيا الواقع الوهمي…
وإذ نكتفي هنا بهذه الإشارات لبعض الفتوحات الكونية في مجالات علمية وتكنولوجية، نذكر بأن خيوط هذه الشبكة والتي نسميها اليوم بالعولمة، بدأ الإنسان في نسجها منذ الأزل، أي منذ ظهور الأنبياء والرسالات، ومنذ التوسعات الإمبراطورية… والحروب العالمية، وتعدد المنظمات الدولية، والتظاهرات الرياضية الكونية (كأس العالم)، والتظاهرات الفنية والثقافية الكبرى… والمبادلات التجارية الحرة، والحركة الكثيفة لرؤوس الأموال ( ملايير الدولارات تجوب العالم في كل وقت وحين )، وقبل هذا وذاك منذ ظهور إمبراطوريات الشركات المتعددة الجنسية وتعاظم أدوارها في "التكييف والتوجيه".
نحن إذن أمام تبدلات حقيقية تقتضي التوقف والتساؤل والبحث والتأمل واستباق المستقبل:
إذ أمام هذا الاكتساح "العولمي" ما هو المطلوب منا كمربين أو ما هو المطلوب من أنظمتنا التربوية والتعليمية؟ هل المطلوب "التحصن" والعمل على ترسيخ الخصوصيات الثقافية وتقوية هويتنا المتميزة؟ أو التفتح وربما الانسياق وراء "التعولم" اللامشروط؟ أم المطلوب الانخراط في حركة الإبداع والتجديد… لكن بأي معنى وفي أي اتجاه؟ أم المراد البحث عن التوازن بين المحافظة والتجديد، ووضع أسس "ثقافة مشتركة"، ثقافة عالمية تتغذى وتغتني بالثقافات الفرعية والقومية، بدل البحث في "صراع الحضارات" وإذكاء خطاب "الصدمة والمواجهة الثقافية".
ثم كيف يمكن للمناهج التربوية أن توائم ( وتهادن ) بين الدعوة الملحة ( وفي بعض الحالات العنيفة ) إلى الخصوصية وترسيخ الهوية الوطنية، وبين الدعوة للانخراط في " الثقافة العالمية " ؟
ثم ألن تشكل قيم "الكونية" تهديدا للقيم "الوطنية" ؟ ألن يعمل تهيئ الأطفال والشباب وتنشئتهم على قبول التحولات الحاضرة والمرتقبة، وتعميق الشعور لديهم بالانتماء إلى " الوحدة الكونية "، ألن يعمل ذلك على طمس الخصوصيات وربما فتح المجال واسعا للهيمنة والاستيلاب، هيمنة قيم وسلوكات " الثقافات القوية " ثقافات الدول العظمى وأخلاقيات ( مصالح ) الشركات المتعددة الجنسيات والتي تتحكم في المنوال ؟.
هذه بعض التساؤلات التي ربما يسرت لنا فتح هذا الموضوع من جديد بعدما أن قدمنا مواضيع تتعلق بالعولمة والهوية ضمن مشروعنا التنويري والنهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية في قضايا فكرية معاصرة من أجل تأصيل الحداثة وعصرنة التراث*، ومحاولة قراءته والتوقف للتأمل وللحوار والنقد. آملين أن نجد فيه أفكارا ومواقف تجيب من مواقع متباينة ومن مناظير مختلفة عن هذه التساؤلات وعن غيرها مما أصبح يؤرقنا في كل وقت وحين.
&&&
من المؤكد أن ظهور العولمة لا يعود بالضبط إلى سقوط جدار برلين، وبداية ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، بل إنها تعود إلى مرحلة أبعد، قد تصل إلى قرون خلت. غير أن الشكل الذي ظهرت به العولمة في العقد الأخير، وإيقاعها السريع في الانتشار وفي غزو كل الآفاق، بفضل اعتمادها على تقانة اتصالية جد متطورة، يعبر عن تحول نوعي في نظام العولمة وفي استراتيجيتها. ونظرا لأن العولمة كمشروع تاريخي هي عملية لم تنته بعد، فإنه يصعب الإلمام حاليا بكل خباياها، أو فهم القوانين المتحكمة فيها بدقة. لذلك فإنه من غير الممكن حاليا تقديم إطار مفهومي شامل للعولمة، بل يمكن فقط الاكتفاء برصد البعض من آثارها الدالة عليها، ومنها:
v اقتصاد تتحكم فيه الشركات متعددة الجنسية، وتبادل تجاري غير متكافئ، في المجالين المادي والرمزي.
v تقليص أدوار الدولة القومية، والسير في اتجاه إلغاء الحدود بين الدول.
v ثورة عارمة في مجال الإعلام والتربية والاتصال، والتقانة المرتبطة بها.
v شيوع ثقافة الاختراق التي تسعى لفرض قيم وفكر واتجاهات وأذواق استهلاكية منمطة.
إن تشريح الظواهر السابقة ومساءلتها، سيؤدي بنا إلى تسجيل الملاحظات الأولية التالية:
1. إن العولمة لا تعني بأي حال من الأحوال العالمية Universalité، وذلك رغم كل المظاهر الخادعة التي تحاول ارتداءها تمويها للحقائق. ففي الوقت الذي تطمح فيه العالمية للتفتح على ما هو عالمي وكوني، نجد أن العولمة تبقى سجينة نزوعها نحو احتواء العالم. إن إرادة فرض نظام اقتصادي واجتماعي وثقافي وتربوي وحيد، لا يمكن أن يدخل إلا في باب إرادة الهيمنة ووسائل فرضها. إن العولمة تلتجئ لخلق شروط تنطوي أحيانا على إغراءات لا تقاوَم، تجعل الآخر يتقبل بسهولة ضغوط العولمة أو يطالِب من تلقاء نفسه بإحدى منافعها الظاهرة.
2. لا يمكن التخلص من العولمة بواسطة رفضها أو إعمال النقد الأيديولوجي ضدها، لأنها ظاهرة ضاغطة، وتفرض نفسها بفعل قوة الأشياء، إن آثارها تتسلل عبر "الكلمات والأشياء" التي نتداولها حاليا، مجبرة أنظمتنا ومؤسساتنا وهياكلنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الخضوع لتغيير ذي وتيرة سريعة.
3. إن تطور العولمة في مرحلتها الحالية يجعل منها نظاما في طور التكوين والنمو، وبالتالي فإذا كنا نعرف بعض خلفياتها، فإننا نجهل الغايات والأهداف القصوى التي سوف تبلغها فيما بعد، وإذا كان من السهل تصنيفها كنظام أيديولوجي كباقي الأنظمة التي سبقتها، فإنه مما لا شك فيه أن للعولمة خصوصيتها، ولا يمكن اختزالها في مجرد نظام أيديولوجي، نقوم بتشريحه ونقده باستعمال نفس الأدوات التي تم استعمالها في تحليل الأنظمة الاقتصادية والأيديولوجية السابقة.
4. غالبا ما يكون هناك تلازم بين العولمة، وبين إحداث تغييرات في الهياكل الاقتصادية والسياسية والثقافية، وغالبا ما يكون لبعضها نتائج إيجابية، نظرا لما تتيحه من تحديث وعصرنة بعض القطاعات، وتحسين الأداء والإنتاجية في بعضها الآخر، وبث روح الحداثة في الحقول الاجتماعية والفكرية.
5. إن العولمة، كالتيار الجارف، تسير نحو مقاصدها؛ بحيث لا يمكن " للممانعة " أو للرفض المطلق أن يجبرها على التوقف، لذلك ستطرح علينا مهام دقيقة تتعلق بأفضل استراتيجيات المقاومة، خصوصا تلك التي تسمح لنا بالتعامل مع العولمة دون أن نكون لقمة سائغة لها. إن التفتح على الحداثة في مستوياتها المختلفة، وعصرنة القطاعات الإنتاجية والتسويقية سيكون أمرا مرغوبا وضروريا، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى المس بمقومات الهوية الثقافية وثوابتها وكذا بالخصوصية الوطنية. إن العولمة نظام شامل ولا يمكن الاكتفاء بالتعامل معها بانتقائية دون بذل أي مجهود لتطوير الذات وتجديد الثقافة وتحديث التراث وعصرنته.
6. إن الثورة الحديثة في حقل الاتصال والتقانة المرتبطة به، قد فتحت المجال واسعا لتسويق " ثقافة العولمة " بما تحمله من معرفة وقيم وتكوين اتجاهات وأذواق استهلاكية. لقد أدى غزو العولمة لهذا المجال إلى إحداث خلخلة في الأنظمة والقنوات التي تساهم في بناء الشخصية والهوية الثقافية، وهي الأنظمة التعليمية والتربوية، ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية للأجيال الجديدة. وإذا كان لدينا حاليا بعض التراكم فيما يخص الدراسات التي تناولت العولمة في إطارها الشمولي، والدراسات التي تناولت أبعادها الاقتصادية والتجارية، فإننا نفتقر، سواء على المستوى الوطني أو القومي، للمقاربات التي تتناول اكتساح العولمة لقطاع التعليم والتربية الوطنية؛ ومآل بعض أشكال المقاومة الذي أفرزها النظام التربوي في إطار تفاعله مع محيطه الدولي.
ومساهمة في مقاربة هذا الجانب، ستحاول هذه الورقة التفكير في القضايا التي تطرحها علاقة العولمة بالأنظمة التربوية والتعليمية، وذلك من خلال طرح الإشكاليات التالية:
ما هي وظائف التعليم، كمؤسسة لتلقين وإنتاج المعرفة، وللتنشئة الاجتماعية والثقافية، في مرحلة اتسمت بزحف العولمة؟.
وما هو دور التعليم في تهييئنا للانخراط في العولمة دون التفريط في هويتنا الثقافية؟
وكيف يمكن للنظام التربوي والتعليمي أن يعمل على تأصيل المعرفة المرتبطة بمقاربة الهوية والخصوصية؟
وإلى أي حد يعتبر إنتاج المعرفة الحداثية شرطا لضمان تعامل أفضل مع العولمة؟

&&&


I. العولمة والأنظمة التعليمية
------
بداية ينبغي دحض الأدلة التي يوردها البعض لتبرير نوع من " العولمة المتوحشة "، التي تعني الزحف المتواصل لقيم الغرب ولرؤياه وحيدة الجانب، ومحاولة فرض صورة واحدة أو تأسيس هوية موحدة للعالم؛ بما يتضمن ذلك من مسلسل النهايات: نهاية التاريخ*، نهاية الدولة، نهاية المدرسة والتربية الوطنية. فحينما يتعلق الأمر مثلا بالثقافة نجد أنه لا يمكن أن نتحدث عن " ثقافة نموذجية "، ينبغي لجميع الثقافات التي لا تنتمي للمركزية الأوروبية أو الأمريكية أن تذوب فيها. إن الثقافة سوف تبقى قلعة حصينة باعتبارها تعبيرا عن الاختلاف وعن الخصوصية الذاتية. ورغم اتجاه العولمة نحو تأسيس آليات " الاستيعاب الثقافي "، فإن هذا المجال سوف يبقى مجالا مفتوحا للتلاقح والتثاقف. إن اكتساح العولمة لمختلف الميادين والحقول لا يقابل دائما بسلبية مطلقة؛ فقد كانت وظائف المؤسسة التربوية والتعليمية منذ القديم لا تنحصر في تزويد الأفراد بالمعرفة اللازمة للتكيف مع متغيرات العصر، بل تسعى إلى تكوين شخصيته والمحافظة على هويته الثقافية، وبذلك كان التعليم رافدا مهماً من روافد بناء الثقافة الوطنية. غير أن الأنظمة التربوية التقليدية لا يمكنها أن تستمر في تقديم إجابات قديمة لتحديات جديدة، وفي إعادة إنتاج القيم والنماذج المحلية في عصر قرية المعلومات الكونية. إن الأمر يتطلب القيام بمراجعة جذرية لبنيات تلك المؤسسات ووظائفها، فلقد كان هناك في الماضي ترجيح للأبعاد التربوية على حساب الأبعاد التعليمية ( التحديثية ) في تلك المؤسسات. في حين أن الظرفية الراهنة تتطلب رسم إطار يسمح بالتفاعل والتلاقح الإيجابي بين الأبعاد التحديثية والتقليدية في النظام التربوي، خصوصا وأن التنشئة التربوية القادرة على الاستمرارية الآن هي التي تستطيع تجديد مصادر عطائها، وضمان تفتحها المستمر، دون أن يؤدي ذلك إلى محو مقومات الهوية الثقافية. فبعيدا عن كل " ممانعة ثقافية " ينبغي الآن على المؤسسة التربوية أن تعمل جاهدة من أجل تهييئ الأجيال الجديدة لتقبل المتغيرات والمستجدات في عالم اليوم، وأن تدعم أدوارها وبالتالي في نشر قيم الحداثة، دون التفريط في وظيفتها التقليدية ( التراثية )، المتمثلة في خلق مناعة ذاتية لدى الأفراد ضد الذوبان في " العولمة المتوحشة ".
إن للعولمة استراتيجية شاملة تُعتبر الوسائط التربوية أحد أركانها الأساسية، وبواسطتها يحصل اختراق العولمة للأنظمة التعليمية التربوية، وذلك من خلال تنامي الثورة الإعلامية والاتصالية، وتصاعد التقانة الحديثة في هذا المجال، وتفوق وسائل الاتصال متعدد الوسائط Multimédia على الوسائل التعليمية التقليدية، التي لا زالت تُعتمد في المدارس والجامعات في دول الجنوب. ونتيجة لذلك أصبح حقل التعليم تقليديا ومنفرا أمام جاذبية الوسائط المتعدد، التي تَستخدم أكثر من قناة واحدة في نقل الرسائل، مما يمكن من تحقيق التواصل النافذ نتيجة تعزيز وسائل الاتصال لبعضها البعض.
وغير خاف أن وسائل الاتصال السمعي - البصري، والتقانة الحديثة في الإعلام والمعلوميات، ليست مجرد تقانة بريئة، بل إنها تحمل رسالة هي عبارة عن قيم ورموز العولمة. إنها تسعى لقولبة أذواق ومشاعر وفكر وسلوك الأفراد، وفق أهداف العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية. إن هناك تضافرا لعدة وسائل براقة وجذابة لتمارس تأثيرها التربوي على مستوى الشخصية القاعدية للأفراد. وآنذاك إذن تتمكن العولمة من تكييف مشاعر وأذواق ومدركات الأفراد، وفق النموذج المعولِم، وذلك تكريسا لاستهلاك البضائع والقيم والمعارف الإشهارية .
تأسيسا على ما تقدم يمكن استنتاج أن عملية اختراق العولمة للتعليم كحقل تربوي هي ظاهرة أكيدة. وذلك نتيجة فعل مزدوج: فمن جهة هناك تصاعد هيمنة العولمة على الحقل التربوي ( تشكيل الأذواق والاتجاهات والقيم والسلوكات )، ومن جهة أخرى هناك استعمال وسائل تقانية جبارة لإثارة الإدراك وتنميط الذوق والفكر.
إن تراجع الأنظمة التربوية التعليمية، هو دليل على عدم قدرتها على مسايرة التنافسية التي تغذيها العولمة. أما عن إعادة الاعتبار لتلك الأنظمة، فلن يتم إلا عبر إنجاز إصلاحات تمتاز بطابع الجرأة والتجديد، وذلك على مستويين:
v مستوى الوسائل التعليمية، حيث يجب العمل على إدماج التقانة الحديثة في مجال الاتصال ضمن الأدوات والوسائل التعليمية، وذلك رغم كلفتها الباهضة.
v مستوى المضامين، حيث يجب العمل على إدماج قيم الحداثة ضمن المناهج التعليمية بواسطة التفتح على المعرفة الحداثية والمضامين العصرية، واعتماد تصور جديد للعلاقة بين التقليد والحداثة أي بين الأصالة والمعاصرة في المناهج الدراسية. انطلاقا من تقييم شامل للقيم التي تنتجها الأنظمة التعليمية حاليا، وأيضا من خلال فحص مجمل تلك القيم لتبيان هل هي قيم تقليدية بالأساس؟ أم هي قيم يتعايش فيها التقليدي والحداثي في إطار من التوازن، دون أن تكون هناك هيمنة لأحدهما على الآخر؟ أم أن قيم الحداثة - التي تبثها الأنظمة التعليمية - تخفي بنية " تقليدية " عميقة توجه وتؤثر في السلوك والاتجاهات، وتعمل على تحييد البنية السطحية التي تبدو " حداثية ".

&&&

II. النظام التعليمي المغربي والعولمة
-------
من المعروف أن بنية التعليم العصري قد تم استنباتها بالمغرب مع بداية الغزو الاستعماري للبلاد، وقد رسمت لها غايات ومرامي وأهداف تتعلق كلها بتهييئ الشروط والظروف السلمية للانتقال إلى الاقتصاد التبعي، وبداية الاندماج في الرأسمالية. وقد نتج عن ذلك ظهور نخبة من الأطر والموظفين تكونت لديهم مرجعية ثقافية غربية، ويقومون بالترويج لمنافع الحداثة. وبعد الاستقلال كانت هناك محاولات عدة للتحكم في الآلة التربوية، وإعادة صياغة مراميها وأهدافها بما يوافق المشروع الوطني. غير أن عدم حصول توافق وطني حول المبادئ والغايات، وضعف الإمكانيات أمام تراكم المشاكل كميا ونوعيا، أدى إلى حدوث سلسلة من التراجعات في ميدان التربية الوطنية نذكر منها: تناقص الدور التنويري والإشعاعي للتعليم، وعدم الملاءمة مع سوق الشغل. وضعف الكفاية الداخلية، وأخيرا سلبية صورة التعليم والمدرس في المجتمع. وكنتيجة لكل ذلك أصبح التعليم غير قادر على مواكبة وتيرة التغيير، التي تحدث على صعيد المجتمع والاقتصاد والتقانة العصرية، وبالتالي أصبح عاجزا ليس فقط على تهييئ شروط الحداثة اللازمة لتقبل العولمة، بل أصبح عاجزا أيضا حتى على التلاؤم معها. ورغبة في العمل على تجاوز هذه "الأزمة" نصح بتنفيذ عدة مشاريع وإجراءات تربوية لتحسين جودة التعليم، وملاءمته للمحيط، ودفعه نحو المزيد من التلاؤم مع متطلبات العولمة، وقد نتج عن ذلك بروز نوع من الدينامية داخل النظام، أدت إلى ظهور ردود أفعال على شكل مقاومة للنظام، وذلك لتحدي التغييرات السريعة التي يراد فرضها عليه. وتجلى ذلك فيما يلي:
1. ضغوط العولمة:
إن العولمة التي تغزو بنية النظام الكلية، تزحف أيضا نحو الأنظمة الفرعية. لذلك يجب النظر للتربية والتعليم كنظام فرعي في علاقته مع المحيط ومع البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وفي هذا الإطار يمكن رصد عدة مؤشرات تدل على بداية حدوث تحولات عميقة بقطاع التعليم نتيجة اختراقه من طرف العولمة. ومن جملة تلك المؤشرات ما يلي:
أ. توصيات المؤسسات المالية الدولية: وهي توصيات ترمي إلى خلق نوع من تحسين الأداء Mise à Niveau في مختلف القطاعات الإنتاجية والاجتماعية، ومنها قطاع التربية والتعليم. ويتمثل ذلك في ترشيد النفقات العمومية، وتنويع مصادر تمويل التعليم وعقلنة القطاع، والتحكم في مسار المعرفة والعلوم باعتبارها رأس مال أساسي في المنافسة والصراع الدوليين. وفي هذا الإطار تم تطبيق إصلاحات تعليمية بالمغرب سنة 1985م ( إدماج بنية التعليم الأساسي )، وذلك بناء على توصيات صندوق النقد الدولي، كما تم البدء في إصلاحات أخرى بعد 1995م بناء على توصيات البنك الدولي . إلا أن هذه الإصلاحات لم تساهم في حل أزمة النظام التعليمي المتفاقمة، بقدر ما ساهمت في جعله يلائم بعض متطلبات العولمة، خصوصا ما يتعلق بتحقيق التوازنات المالية.
ب. إدماج مضامين تربوية جديدة في المنهاج لإكساب المتمدرسين القيم والاتجاهات والسلوكات الإيجابية نحو العولمة: ومنها التربية السكانية، والتربية البيئية، والتربية من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأخيرا تربية السلام أو التربية من أجل السلام الدولي. كما أن هناك من يدعو إلى إنشاء شعبة خاصة بالباكالوريا الدولية.
ج. محاولة ربط التربية والتعليم والتكوين: بالأهداف التنموية في بعدها العالمي، وهكذا تم في مرحلة أولى توظيف عدة مفاهيم، كتنمية الموارد البشرية، ثم التنمية البشرية، ثم في مرحلة لاحقة التنمية المستدامة.
د. تبني استراتيجية التعليم بالأهداف، ومحاولة تعميمها في صفوف المدرسين، رغم مقاومتهم لها. وهي محاولة لعقلنة العملية التعليمية التعَلمية، على غرار ما يجري في الأنظمة التعليمية لدول أخرى كالولايات المتحدة وكندا. إلا أن الارتجال وانعدام تكوين وظيفي فعال للمدرسين وغياب البنية التحتية الضرورية في المؤسسات التعليمية المتمثلة في التكنولوجيا التربوية والعتاد البيداغوجي، جعل تطبيق تلك الاستراتيجية مشوبا بالكثير من اللبس والخلط ، وهو ما أفقد العملية التعليمية جوهرها الإبداعي والخلاق.
ه. استقطاب مدارس البعثات الثقافية الأجنبية ومؤسسات التعليم الخاص لفئات لا بأس بها من أبناء النخبة والمحظوظين، وهم الذين اقتنعوا بأن هذا النوع من التعليم هو الذي يمكن أن يؤهل أبناءهم للتكيف مع قيم العولمة والتعامل مع منتجاتها.
و. التوسع التدريجي لنظام إعلامي تربوي ثقافي سمعي بصري، يُبث عبر الفضائيات و"الإنترنت"، وغيرها من الوسائل المتعددة الوسائط.
وقد تزامن ذلك مع تراجع المدرسة وتقلص وظائفها وجاذبيتها، وأفقها المعرفي والتربوي. ومن النتائج المترتبة عن ذلك إرباك المشروع التربوي للمدرسة برمته. وغني عن البيان أن نفس المآل كان، في فترة سابقة، قد أصاب المؤسسة الاجتماعية " الطبيعية " الأولى وهي الأسرة، نتيجة احتكار المدرسة لوظائفها وتقلص أدوارها، وهكذا نجد أن وسائل الاتصال التي تبشر بعولمة زاحفة، قد بدأت بسحب البساط من تحت أقدام المدرسة بدورها. مما يعني إخفاق أهم مؤسستين تربويتين للتكوين والتنشئة الاجتماعية ( الأسرة والمدرسة ).
2. رد فعل النظام التعليمي ( المقاومة ):
رغم جمود بنيات التعليم، وهشاشة النظام وضعفه، وتفاقم الأزمات منذ فجر الاستقلال، كانت هناك عدة محاولات لمقاومة الضغوط المتتالية للعولمة، خصوصا منها ما يتعارض مع المرجعيات الثقافية للنظام، وتكوين الهوية الثقافية للمتمدرسين. وتجلت تلك المقاومة في عدة إجراءات وإصلاحات لم تبلغ الأهداف المتوخاة منها، ولكننا نشير إليها هنا على سبيل المثال فقط.
أ. محاولة الإصلاح المتعاقبة منذ المراحل الأولى لاستقلال البلاد، حيث نجد أن أول لجنة لإصلاح التعليم تعود لسنة 1957م وهي اللجنة العليا للتعليم، وفي سنة 1958م عينت لجنة أخرى هي اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، كما تم تنظيم عدة مناظرات منها مناظرة المعمورة سنة 1966م، ثم مناظرة إيفران الأولى سنة 1970م، والثانية سنة 1980م، ثم أخيرا اللجنة الوطنية لوضع ميثاق للتعليم سنة 1994م . وإذا كانت هذه الهيئة الأخيرة قد أُخفقت في بلوغ أهدافها، مما أدى إلى تعليق أعمالها، فإن الحركة الوطنية قد نجحت، إبان فترة ما بعد الاستقلال مباشرة، في وضع الاستراتيجية الكبرى لإقامة تعليم وطني، وذلك على أسس أربعة هي: التوحيد والمغربة والتعميم والتعريب. وإن إعادة فحص هذه المبادئ على ضوء المتغيرات الحالية، يبين أنها مبادئ كانت الحركة الوطنية تهدف منها إلى إيقاف الغزو الثقافي الاستعماري للتعليم، وتصحيح ما أفسدته الحماية من خلال سياسة الاستيعاب والدمج التي حاولت تطبيقها في مجال التعليم. وبالتالي فإن تلك المبادئ كانت بمثابة أول صيحة لرفض العولمة في شكلها الاستعماري القديم…إلا أن كل محاولات الإصلاح التي شهدها تاريخ التعليم بالمغرب منذ 1957م إلى الآن - سواء منها ذات الطابع السياسي أو التقني - كان مآلها الفشل، نتيجة عوامل متشابكة ومعقدة، منها: غياب مشروع تربوي متكامل، نتيجة غياب المشروع المجتمعي الواضح والتوافقي، وتحول التعليم إلى موضوع للصراع الاجتماعي والتنافر السياسي، ثم أخيرا خضوع نمو التعليم لضغط الطلب الاجتماعي في فترة معينة بدل أن ينمو في إطار مشاريع تنموية ذات منظور مندمج ووظيفي.
ب. تعريب مناهج التعليم: لقد تم في البداية توحيد التعليم ومغربته بطريقة لم تساير دائما ما هو منشود ومأمول. في حين أن تعميم التعليم قد دخل في متاهة يصعب الخروج منها في الآجال القريبة. أما التعريب فقد تم اللجوء إليه بعد تردد طويل، وكان بمثابة وسيلة إنقاذ الهوية والدفاع عنها، بواسطة ربطها بالخصوصية التاريخية والمرجعية الثقافية، أمام محاولات التغريب والاستلاب الناتجة عن فَرْنَسة التعليم والإدارة والاقتصاد. ورغم أن اللغة الفرنسية بدأت تتراجع لصالح اللغة الإنجليزية على الصعيد العالمي ( نجد مثلا أن 88 % من معطيات "الإنترنت" تُبث بالإنجليزية، مقابل 9 % بالألمانية، أما حظ الفرنسية فهو 2 % ثم أخيرا 1 % لباقي اللغات )، فإن تعريب التعليم بالمغرب قد ساعد على حصول تراجع ملموس للثقافة الفرنكفونية، لكن دون أن يعني ذلك تمنيعا للذات ضد آثار الغزو الثقافي للعولمة. لقد خلق التعريب، بالصيغة التي تم بها، وضعية جديدة ربما أصعب من وضعية ما قبل التعريب، وتجلى ذلك فيما يلي:
· إقصاء فئات واسعة من الأجيال المعرَّبة من القطاع العصري، وعزلهم في فضاءات تقليدية، وتراجع قيم الحداثة لديهم.
· مغادرة أبناء الأعيان والمحظوظين للتعليم العمومي المعرَّب لولوج مدارس البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة، حيث التأهيل للاندماج في القطاع العصري، والتكيف مع متطلبات العولمة. وهو ما خلق هوة عميقة، داخل نفس الجيل، بين فئتين مختلفتين، حسب اختلاف لغة المؤسسة التي أخذوا عنها. إن هذا الانشطار من شأنه أن يعمل على إعادة إنتاج الثنائية المعروفة بالتقليد والمعاصرة. ومعلوم أن ما تؤدي إليه من عدم التجانس الثقافي، يسهِّل عملية الاختراق الثقافي .
إن الصيغة التي طُبق بها التعريب، فرضت نوعا جديدا من عدم تكافؤ الفرص إزاء المؤسسة المدرسية، وأعطت نوعا من الشرعية لإقصاء فئات عريضة جدا من دائرة المبادرة، وذلك بعزلهم عن عالم الشغل والإنتاج والخدمات. كما أن مواصفات المتخرجين من التعليم العمومي في صيغته المعرَّبة، ستجعلهم في الأخير ضحايا لآلة العولمة، وهو ما يتعارض مع الأهداف المتوخاة أصلا من التعريب. لقد تبين الآن بالملموس أن مقاومة آثار العولمة المفروضة على النظام، والمحافظة على الهوية الأصلية، لا يمكن أن يتم بشجاعة بواسطة الانكماش وراء المواقف الدفاعية أو الاحتجاجية، وكل محاولة في هذا الاتجاه سيكون مآلها المزيد من العزلة والتهميش.
تأسيسا إذن على سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم، وآثارها المباشرة أو المؤجَّلة على نظامنا التعليمي، يمكن القول بأن مشروع المدرسة الوطنية المغربية الذي طالما عُلِّقت عليه أكبر الآمال، في صياغة الشخصية الوطنية، وتكوين النسيج الثقافي الوطني، قد مُني بالفشل الذريع، بل إنه يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولم تؤكد كل محاولات إنعاشه سوى إلى خلق " أزمات جانبية " أخرى يستعصي علاجها. إن إخفاق النظام التعليمي لا يرتبط بعجزه عن تحقيق التحول الكيفي في مجال الوعي التربوي والثقافي، ونشر الفكر الحداثي فقط، بل ارتبط أيضا بعجزه في المجال الكمي، بحيث أن عدم استيعاب النظام للأطفال في سن التمدرس كان يغذي باستمرار صفوف الأمية، إلى أن أصبحت نسبتها حاليا تتعدى 55 % من سكان البلاد.
هكذا نجد أن أهم سمة تميز الفترة الحالية، هي فقدان المرجعيات التربوية والثقافية الأساسية، وظهور أزمة قيم حادة نتيجة من جهة أولى، لتفكك بنية الأسرة وتقلص وظائفها إلى أقصى حد، ومن جهة أخرى نتيجة إخفاق المدرسة الوطنية. ويمثل هذان المؤشران علامة دالة على « الإخفاقات الذاتية المتعاقبة التي منيت بها، من الداخل، مؤسسات إنتاج الرموز والقيم، بسبب تكدس بُناها وعجزها عن التكيف الإيجابي مع التحولات الثقافية الكونية » . وواضح أن كل انحسار للمرجعية التربوية والثقافية الوطنية، وكل تراخٍ في مؤسساتها، إلا ويكون متزامنا مع توغل مخطَّط ومنظَّم لقيم العولمة ومرجعياتها التربوية، في مجال صناعة الأذواق وتكوين الاتجاهات والقيم والسلوكات. إن إخفاق المؤسسات الوطنية لإنتاج الرموز والقيم، هو مؤشر عن عجزها عن الاستمرار وعن المقاومة في ميدان يسود فيه بالدرجة الأولى منطق السوق التنافسي.

&&&
III. التعليم وثقافة العولمة
--------
إذا انتقلنا من مستوى تحليل واقع النظام التعليمي المغربي ومؤسساته، التي يُفترض فيها أنها أداة لنقل الرموز الثقافية ووسيلة لترسيخها، إلى مستوى الثقافة ذاتها، فإننا نسجل تراجع الثقافة الوطنية، وتقلص دائرتها وفضاءاتها بفعل الاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة، وذلك عبر قنوات للاتصال متعددة الوسائط لم تتمكن المؤسسة المدرسية من الصمود أمام منافستها القوية. فالنظام المدرسي يسعى بالدرجة الأولى لتنمية قدرات عقلية، وصَقْلِ مهارات منطقية مع الاعتماد على استراتيجية تربوية، غالبا ما تكون تقليدية من حيث المضامين والعلاقة والوسائل البيداغوجية. أما " ثقافة العولمة " فقد تفوقت في اختراق النظام المدرسي نفسه حينما جعلت من الإدراك في بعده الحسي، ومن المهارات التابعة له كالتحليل مثلا، المَلَكة التربوية الأساسية المراد تنميتها بواسطة إشباعها بالصورة السمعية البصرية، والمَشاهد المثيرة والمنقولة عبر وسائل التقانة الحديثة… إن تكييف الإدراك، والسيطرة عليه بهذا الشكل، ستؤدي لا محالة لضبط وتوجيه المجال الوجداني والانفعالي برمته لدى المتلقين. ومعلوم أن هذا المجال قلما اهتمت به النماذج والأنظمة التربوية حتى في الدول المتقدمة نفسها ، وكل صنافات الأهداف التربوية المتداولة فيها تولي الأهمية القصوى للمجال المعرفي وحده. إن " تربية الإدراك " هو وسيلة إجرائية لبلوغ التحكم في الشخصية من خلال التحكم في البعد الوجداني، وضبط الرغبات والميول والاتجاهات، حتى يتم توجيهها نحو تبني قيم فكرية وسياسية محددة، وأيضا نحو استهلاك أنماط معينة من السلع والبضائع " الثقافية " والإشهارية.
واعتبارا للتنامي المستمر لدور الولايات المتحدة الأمريكية في التوجيه والإنتاج والإشهار والتسويق الثقافي، فإنه أصبح من الصعوبة بمكان تبيان الحد الذي تنتهي عنده الهيمنة الأمريكية، والحد الذي تبدأ معه " ثقافة العولمة ". لدرجة أن هناك حاليا تداخلا قويا بين ظاهرتي الأمركة والعولمة، ودون أن تكون هناك مؤشرات عن قرب الفصل بينهما.
إن من جملة أسباب حيازة ثقافة العولمة نفوذها وانتشارها الواسع، يرجع بالأساس إلى اعتمادها على " اقتصاد ثقافي "، يحتكر الإنتاج الثقافي والفني، خصوصا منه الإنتاج السينمائي والموسيقي. كما يحتكر سوق الإشهار، والإعلانات المتحكمة في التسويق العالمي للثقافة، مما جعلها تدخل كل البيوت بواسطة الفضائيات وانتشار وسائل الاستقبال. عامل آخر ساعد على توغل الصادرات الثقافية الأمريكية في بيوتنا يعود إلى طبيعة مضامينها الشعبية، وأحيانا السوقية. وبالتالي فهي لا تعكس سوى المستوى المتدني من الثقافة الأمريكية . أما تسويق الثقافة العالمة فقد تبين من تجربة أوروبا في هذا المجال أنها عملية غير مربحة، نظرا لأن جمهورها نخبوي. وبذلك أصبح النموذج الأمريكي يتحكم في الأذواق والرغبات، وفي تكوين الاتجاهات الفنية والقيم الثقافية، وأنماط الاستهلاك على الصعيد العالمي. وهكذا نجد أنفسنا من جديد أمام تقسيم غير متكافئ للعمل الثقافي، إذ أن عولمة الثقافة تعني احتكار أمريكا للثقافة العالمة من جهة، ثم احتكار تصدير ثقافتها المتدنية لكل بقاع العالم من جهة أخرى.
؟ الإعلام والتربية:
استُخدمت الإذاعة والتلفزيون كوسائل بديلة للتعليم الرسمي وغير الرسمي، وتعتبر الجامعة المفتوحة في بريطانيا، من أنجح التجارب في استخدام الإعلام الجماهيري في التعليم الرسمي. ومنذ العام 1971، والجامعة المفتوحة تقدم منهجا دراسيا متكاملا، يشترك في تقديمه التلفزيون والراديو ونظم التعليم بالمراسلة، مع إتاحة الفرصة للدارسين للالتقاء بالأساتذة . وقد كانت السلفادور وساحل العاج من أوليات الدول النامية في استخدام التلفزيون التعليمي، بصورة واسعة في التعليم الرسمي . من أشهر تجارب استخدام الإعلام الجماهيري، في التعليم غير الرسمي، مشروع المنتدى الريفي الذي أقامته الإذاعة الهندية، بمعاونة اليونسكو لتوعية الفلاحين في أمور الزراعة والصحة والتعليم والحكم المحلي، وغير ذلك من جوانب التربية الاقتصادية والاجتماعية .
وعلى الرغم من التوسع في استخدام الراديو والتلفزيون تعليميا، إلا أن نتائجه ظلت محدودة بسبب فشله في إدماجه ضمن البيئة التعليمية التي يسيطر عليها الكِتاب المطبوع. بالإضافة إلى الطابع السلبي للإعلام الجماهيري أحادي الاتجاه، وهو وجه القصور الذي تسعى تكنولوجيا المعلومات إلى التغلب عليه من خلال التلفزيون التفاعلي ثنائي الاتجاه Interactive TV الذي يسمح بالتفاعل الإيجابي بين المرسِل والمستقبِل، وكذلك من خلال ربط التلفزيون بشبكة الإنترنت لاستخدامه كوسيلة للإبحار في فضاء المعلومات الذي تتيحه الشبكة.
وهناك محاولات عدة لاستخدام وسائل الإعلام الجماهيري العربي في محو الأمية، ودعم التعليم الرسمي، بل كانت هناك محاولات لإنتاج مواد تعليمية - ثقافية للأطفال العرب (افتح يا سمسم). من المؤسف أن هذه التجربة قد توقفت، بل رفضت بعض محطات التلفزيون العربية إذاعتها لأنها باللغة العربية الفصحى المغالى فيها. ولا شك في أننا قادرون على إنتاج برامج تعليمية وترفيهية للأطفال بلغة فصحى مستساغة، تعيد لصغارنا اعتزازهم بلغتهم الأم*. وقد أبدت بعض القنوات الفضائية العربية، في الآونة الأخيرة، اهتماما بالإعلام التعليمي، إلا أن وسائلها في تقديم المادة الدراسية، مازالت محدودة للغاية، ولا تستغل أسلوب تعدد الوسائط التعليمية. ما يخشاه الكاتب أن تقتحم الفضائيات الأجنبية حرَمنا الإعلامي في ظل عولمة التربية لملء فراغ الإعلام التعليمي، وتقديم سلعة تعليمية أرقى، ليضاف إلى ما لدينا بالفعل قناة أخرى للتعليم الأجنبي الموازي. وبذلك تزداد ساحتنا التربوية تشرذما وطبقية. ولا شك في أن ذلك لو حدث، سيكون من أمضى أسلحة الاكتساح الثقافي.
ثقافة الإنترنت:
تحدث كثيرون، مفكرون وإعلاميون وفنيون، عن الإنترنت ذلك « الماموث »** الشبكي الكوكبي، ذي الفضاء المعلوماتي المتناهي الضخامة، الدائم الامتداد والانتشار، والذي يقدر عدد رواده بـ 800 مليون نسمة بحلول العام 2004. إنها تلك الغابة الكثيفة من مراكز تبادل المعلومات التي تختزن وتستقبل وتبث جميع أنواع المعلومات في شتى فروع المعرفة وفي جوانب الحياة كافة، من قضايا الفلسفة وأمور العقيدة إلى أحداث الرياضة ومعاملات التجارة، ومن مؤسسات غزو الفضاء وصناعة السلاح إلى معارض الفن ونوادي تذوق الموسيقى، ومن الهندسة الوراثية إلى الحِرف اليدوية، ومن البريد الإلكتروني إلى البث الإعلامي، ومن المؤتمرات العلمية إلى مقاهي الدردشة وحلقات السمر عن بعد، ومن صفقات بورصة نيويورك إلى مآسي المجاعات والأوبئة في أرجاء القارة السوداء.
لا تفوق جسامة التحديات العلمية والتكنولوجية التي يواجهها عالمنا العربي إزاء ظاهرة الإنترنت، إلا تلك التحديات الاجتماعية والثقافية المصاحبة لها، ولا تفوق هذه وتلك، إلا الفرص العديدة التي تتيحها للإسراع من حركة التنمية العربية.
لقد تأرجح الرأي في شأن الإنترنت بين حديث النعم وحديث النقم، ومنه نستهل بعضا من تأرجحاته ذات المغزى لواقعنا العربي:
· ديمقراطية أم مزيد من سيطرة الحكومات؟
· عدالة اجتماعية أم استقطاب اجتماعي؟
· ألفة جماعة الإنترنت أم غربة عن الواقع؟
· حوار ثقافات أم صراع حضارات؟
· معلومات أكثر أم معرفة أقل؟
· إبداع الجديد أم اجترار القديم؟
· بيروقراطية غاربة أم معلوقراطية بازغة؟
· عمالة أكثر أم بطالة أكثر؟
فإذا بحثنا في ثقافة الإنترنت كمنظومة ثقافية للمعلومات، فسنجد - وكما هي العادة في كل التكنولوجيات المؤثرة في صياغة المجتمع الإنساني - أن الحديث ينصرف - في البداية - إلى جوانبها الفنية، والتي سرعان ما تتوارى لتُبرِز جوانبها الاجتماعية والثقافية. وكان من الطبيعي أن تكون تكنولوجيا الإنترنت أسرع مما سبقها في نزع قناعها التقني؛ لتكشف عن مغزاها الثقافي بصفتها ساحة ثقافية في المقام الأول، بجانب كونها بنية تحتية لصناعة الثقافة. وكيف لا، وشبكة الإنترنت تتعامل مع جميع عناصر المنظومة الثقافية، سواء بوصفها - أي الثقافة - تراثا قوميا أو بوصفها إبداعا وتعبيرا أو بوصفها منتجة للسلع والخدمات والأصول الرمزية. إضافة إلى ذلك، فالشبكة تساهم في تشكيل وعي الفئات الاجتماعية، وتلعب دورا حيويا في تكامل منظومة الثقافة مع منظومات التربية والإعلام والاقتصاد، والأهم من ذلك كله أن هذه البنية المعلوماتية الجديدة توفر - وربما لأول مرة - بيئة مثالية لحوار الثقافات والتهجين الثقافي.
وكما كان شاغلنا في الماضي هو العلاقة بين التنمية والبيئة، وكيف نحمي « التنوع البيولوجي » من الانقراض بسبب التطبيق الأعمى لتكنولوجيا الصناعة دون مراعاة لآثارها الجانبية، أصبح شاغلنا الآن هو كيف نحمي « التنوع الثقافي » هو الآخر من الانقراض؛ بسبب إساءة استخدام تكنولوجيا المعلومات، وهيمنة « القطب المعلوماتي - الثقافي » الأوحد، ونقصد به الولايات المتحدة الأمريكية، وهيمنة لغتها الإنجليزية وثقافاتها الجماهيرية على لغات العالم وثقافاته. لقد باتت هذه القضية المحورية هي شاغل الجميع بعدما اتضح ما لوسائل الاتصال الحديثة، وعلى رأسها الإنترنت، من إمكانات تؤهلها لصبح أمضى أسلحة الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية، بل الأمنية أيضا.
هذا الطرح الذي قدمناه لثقافة الإنترنت في المنظومة الثقافية للمعلومات إ نما هو طرح عام وشامل، فماذا لو تساءلنا وبحثنا عن هذه الثقافة ذاتها في منظورنا العربي؟ فإننا سنجد أن ثقافة الإنترنت تمثل تحديا بالنسبة لنا - نحن العرب - تحديا ثقافيا قاسيا على الجبهات جميعها، سواء فيما يخص مضمون رسائلنا الثقافية، وقيمة تراثنا عالميا، وفاعلية مؤسساتنا الثقافية الرسمية وغير الرسمية، أو فيما يخص أساليب حوارنا فيما بيننا ومع الغير. ونحن معرَّضون لحالة فريدة من الداروينية الثقافية؛ أصبحنا مهددين في ظلها بفجوة لغوية تفصل بين العربية ولغات العالم المتقدم، تنظيرا وتعليما واستخداما وتوثيقا، مثلما نحن مهددون بضمور شديد في إنتاجنا الإعلامي والسينمائي وإبداعنا الفني، ومهددون -أيضا- بسلب تراثنا من فنون شعبية وأغان ومقامات موسيقية وأزياء وطرز معمارية. وفي المقابل، تفتح الإنترنت أمامنا فرصا عدة لتثبيت دعائم ثقافتنا العربية بصفتها ثقافة إنسانية عالمية أصيلة وتعويض تخلّفنا في كثير من مجالات العمل الثقافي. إن الموقف يتطلب إعادة النظر بصورة شاملة في سياساتنا الثقافية تجاوبا مع ثقافة الإنترنت.
&
من هذا المنطلق..يمكن طرح السؤال حول كيفية التعامل مع " ثقافة العولمة " التي تحاصرنا من كل جهة، وتغزو حميميتنا بإغرائها الذي لا يقاوم، وأحيانا كثيرة بعنفها الرمزي. فهل نقاومها بواسطة أسلوب الامتناع والانزواء وراء خصوصية ثقافية أصيلة، وبالتالي رفضها شكلا ومضمونا؟. أم نتعامل بطريقة انتقائية تقوم على رفض طابعها الأيديولوجي ( أيديولوجية الفكر الواحد )، والتعامل الوظيفي مع لغتها وأدواتها ومجموع التقانة المرتبطة بها؟…
من الأكيد أن للاختيارين معا مزالق وثغرات كثيرة، غير أنه من الأكيد أيضا أن الرفض والامتناع، في الاختيار الأول، هو ظاهري فقط. ولا يمكن أن يوقِف زحف الاختراق الثقافي، الذي يحطم كل الحدود والخصوصيات. وبالتالي نخشى أن تنتهي تلك المقاومة إلى الانعزالية والتهميش، وإلى المزيد من إرباك الثقافة الوطنية. أما التثاقف، الذي يحيل إليه الاختيار الثاني، فغالبا ما يصطدم بعوامل تعود لعدم تكافؤ القوى الثقافية المتفاعلة على الصعيد العالمي. وفي هذا الإطار نلاحظ مثلا تراجع الثقافة الأوروبية أمام زحف "ثقافة العولمة"، كما نلاحظ انزواءها في مواقع دفاعية مكتفية بالمطالبة بما يسمى بـ"الاستثناء الثقافي".
إن حضارة اليوم تواجه سؤالا محوريا ذا شقين:
الشق الأول: كيف يتكيف إنسان هذا العصر مع متغيرات حاضره ومستقبله؛ أملا في حياة أكثر ثراء وانسجاما؟
الشق الثاني: كيف يحسن المجتمع الإنساني استغلال موارده البشرية لحل مشكلاته التي تتزايد باطراد؟
إن نجاح المجتمع الإنساني في إحداث النقلة النوعية لعصر المعلومات رهن بمدى نجاحه على الصعيد التربوي، ويعيب الكثيرون على التربية تباطؤها في استيعاب المتغيرات التكنولوجية والاقتصادية، في حين يرى آخرون أن هذا يرجع إلى طغيان الاقتصاد على الثقافة في عملية التنمية الاجتماعية. ودعنا نتعجل الرأي هنا لنقول: كما يكمن حل معضلة مجتمع المعلومات في التربية، فإن حل لغز التربية - في المقابل - يكمن في استغلال الإمكانات الهائلة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات، شريطة تفهمنا لعملية الإصلاح التربوي على أنها وليدة التفاعل بين التربية والمجتمع والتكنولوجيا.
تتخبط منظومة التربية العربية، عاجزة عن الخروج من فلك الدائرة الخبيثة، ولغزنا التربوي له ملامحه الخاصة من تسرب الصغار من الفصول، ونزيف العقول، وهادر الخريجين، وتضارب الآراء فيما يخص محتوى التعليم. هذا هو حملنا التربوي الثقيل، الذي ينوء به كاهلنا ونحن نهم بدخول عصر المعلومات. وقد اختلط اللغز التربوي مع ألغازنا الاجتماعية الأخرى؛ ليفرز وضعا شائكا للغاية، تعددت المواقف إزاءه، ما بين ردود الأفعال وسياسة إدارة الأزمان، وبين إغماض العين عن الراهن في غيبوبة الحديث عن أماني المستقبل، وما أروعه من حديث، وقد زادت تكنولوجيا المعلومات هذا الحديث إثارة وطلاوة، فراح أصحابه يؤكدون على أن هذه التكنولوجيا، ولا شيء غيرها، هي العصا السحرية لعلاج أزمتنا التربوية: من الدروس الخصوصية إلى تخلف الأساليب المنهجية، ومن زحمة الفصول إلى نقص المُعامل، ومن إعادة تأهيل المعلمين إلى تنمية القدرات الإبداعية لدى المتعلمين.
بشكل عام، يمكن إرجاع أزمتنا التربوية إلى أسباب رئيسية عدة، من أهمها:
· غياب فلسفة اجتماعية نبني عليها فلسفة تربوية واقعية ومتماسكة، ولا يخفى على أحد أن ساحتنا الثقافية مشتتة، وأن معظم مثقفينا قد غابت عن وعيهم جوانب عدة من إشكالية التربية، التي تزداد تعقيدا وتشعبا يوما بعد يوم.
· الأسلوب المتبع في ملء الفراغ التربوي بالاستعارة من الغرب؛ نأخذ الفكرة ونقيضها، دون أن يكون لخصوصيتنا دور كبير ولم نقف منها موقفا نقديا، ولم نقرأ الشروط الاجتماعية التي احتضنت ولادتها… إننا نستورد نظما تربوية منزوعة من سياقها الاجتماعي، وإن جاز هذا في الماضي، فهو يتناقض جوهريا مع توجه التربية الحديثة نحو زيادة تفاعلها مع بيئتها الاجتماعية.
· ندرة جهود التنظير التربوي، ونادرها قد طغى على معظمه المنهج على حساب المحتوى، واستهوتنا الإحصائيات وجداول الأرقام والمؤشرات وعلاقات الارتباط، وغاب عنا اختلاف طبيعة التربية عن تلك للعلوم الطبيعية. فلا يكفي، في تناول قضايا التربية، الوقوف عند حدود التحليل الكمي، خاصة في بلدان مثل بلداننا العربية، التي تُمتلَئ بأمور عدة يتعذر قياسها أو إخضاعها للتحليل الإحصائي الدقيق على الأقل في ظل الظروف الراهنة.
· الخلط بين الغايات والمقاصد والإجراءات، والوقوف عند حدود العموميات والمبادئ العامة التي لا خلاف عليها، وليطلع من يرتاب فيما نزعمه على وثائق سياساتنا التربوية، ونتائج مؤتمراتنا وندواتنا حول تطوير نظم تعليمنا وتأهيل معلمينا.
· وأخيرا وليس آخرا، مازال البعض لدينا متشبثا بأفكار بالية، من قبيل التمسك بأساليب الحفظ والتلقين، ورفضه لمبدأ المساواة في تعليم الذكور والإناث .
وتجاوزا لكل العقبات والمعوقات السابقة، يمكن القول أنه بالرغم من دينامية الاختراق الثقافي للعولمة، فستبقى الثقافة هي التعبير الأسمى عن الاختلاف، وعن الخصوصية المحلية والقومية. وسيبقى مطلب الحق في الاختلاف والتنوع الثقافي راسخا ضمن أولويات العمل الثقافي للشعوب والأمم. وفي هذا الإطار ينبغي تفعيل دور بعض الهيئات الدولية كاليونسكو والإيسيسكو وغيرها، في اتجاه تنشيط التعاون الدولي في ميادين التربية والعلوم والثقافة، وتهييئ سبل حوار ثقافي تربوي متكافئ بين الثقافات والأديان والمعارف والعلوم.
ومساهمة في النقاش الدائر حاليا حول ثقافة العولمة والاستراتيجيات الوطنية لتفعيل الثقافة، وحماية الهوية القومية، أود أن أطرح ثلاثة مهام أساسية، أراها ضرورية لبناء أرضية صلبة لمشروع تنويري نهضوي مستقبلي للثقافة العربية:
1. الاستماتة في الدفاع عن الحق في الاختلاف الثقافي، ووضع خطة عمل مستقبلية لإحياء، وإنتاج، ونشر الثقافة الوطنية العالمة والشعبية، مع ضرورة توفير إمكانية ولوج التقانة الحديثة في حقل وسائل الاتصال المتعدد الوسائط.
2. إعادة النظر في النظام التعليمي برمته، وإعادة صياغة غاياته، وأغراضه، وأهدافه، ومناهجه، وبنياته، على ضوء عولمة المعرفة التي أصبحت تفرض نفسها يوما بعد يوم. ولا يمكن إنجاز ذلك إلا بعد تهييئ أرضية ملائمة تتمثل في القيام بنقد العقل التربوي السائد، ونقد الممارسة التربوية الحالية وطنيا وقوميا.
3. إجراء تقويم شامل للحداثة باعتبارها النموذج الفكري الغربي، الذي ساد منذ عصر التنوير إلى الآن، وبَلَغ أوَجَّه مع العولمة. وإعادة فحص المكونات المركزية للحداثة كالفردية، والعقلانية، والعلم، والتكنولوجيا، وخطية التقدم الإنساني، وكذلك القيام بالتشريح النقدي لحقائقها وأوهامها، وتفعيل نقد أيديولوجي صارم لكل تلك المكونات، إذ أصبح من المؤكَّد الآن أن هيمنة المركزية الأوروبية، ثم في مرحلة تالية هيمنة المركزية الأمريكية، كانت تحدُّ من طموح الحداثة لبلوغ الكونية. لذلك غدا مطلب تنويع المرجعيات الثقافية للحداثة ضرورة تفرض نفسها. إن نقد العقل الحداثي هو مقدمة للتفكير في بناء أسس جديدة لثقافة كونية حداثية جديدة. وهذا هو المشروع التنويري النهضوي للثقافة والحضارة العربية والإسلامية الذي بدأ اشتغالنا فيه منذ سنوات في عملنا الموسوم بـ" قضايا فكرية معاصرة " من أجل تأصيل الحداثة وعصرنة التراث.



û










المراجع المعتمدة

1. أحمد عطية أحمد، مناهج البحث في التربية وعلم النفس، طبعة 1999، الدار المصرية اللبنانية - القاهرة.
2. بول سالم، الولايات المتحدة والعولمة، معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، السنة العشرون، عدد 229، فبراير 1998، بيروت.
3. تقرير البنك الدولي حول وضعية الاقتصاد والتعليم والإدارة بالمغرب، شتنبر 1995.
4. مايكل أمدي هبت، دور الإعلام في العالم الثالث في «نظام الإعلام المقارن»، ص: 141-160، طبعة 1991، الدار الدولية للنشر والتوزيع - القاهرة.
5. محمد الشبيني، أصول التربية، طبعة 2000، دار الفكر العربي، القاهرة.
6. محمد عابد الجابري، التربية ومستقبل التحولات المجتمعية في الوطن العربي، المجلة العربية للتربية، المجلد السابع عشر، العدد الأول يونيو 1997، تونس.
7. محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، السنة العشرون، العدد 228، فبراير 1998، بيروت.
8. محمد عادل التريكي، "نهاية الفكر..نهاية التاريخ" مقال منشور بصحيفة الجسر الصادرة من تطوان، عدد 79 ديسمبر 2001، ص: 13.
9. المكي المروني، الإصلاح التعليمي بالمغرب ( 1956 - 1994 )، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1996.
10. المكي المروني، البيداغوجية المعاصرة وقضايا التعليم النظامي، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1993.
11. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، مجلة عالم المعرفة، عدد 276 / ديسمبر 2001، الكويت.
12. Bloom, B.S. Taxonomie des objectifs pédagogiques, Education Nouvelle, Montréal, 1969.

[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

[ Contact Forum Admin ]


Forum timezone: GMT-8
VF Version: 3.00b, ConfDB:
Before posting please read our privacy policy.
VoyForums(tm) is a Free Service from Voyager Info-Systems.
Copyright © 1998-2019 Voyager Info-Systems. All Rights Reserved.