VoyForums
[ Show ]
Support VoyForums
[ Shrink ]
VoyForums Announcement: Programming and providing support for this service has been a labor of love since 1997. We are one of the few services online who values our users' privacy, and have never sold your information. We have even fought hard to defend your privacy in legal cases; however, we've done it with almost no financial support -- paying out of pocket to continue providing the service. Due to the issues imposed on us by advertisers, we also stopped hosting most ads on the forums many years ago. We hope you appreciate our efforts.

Show your support by donating any amount. (Note: We are still technically a for-profit company, so your contribution is not tax-deductible.) PayPal Acct: Feedback:

Donate to VoyForums (PayPal):

Login ] [ Contact Forum Admin ] [ Main index ] [ Post a new message ] [ Search | Check update time | Archives: [1] ]


[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

Date Posted: 05:12:08 01/31/03 Fri
Author: الدكتور محمد عادل التريكي
Subject: الفكر الإسلامي والآخر من منظور حوار الحضارات وصراعها






ما
هو الفكر الإسلامي؟ وكيف يتحدث؟ وكيف هو؟ وكيف يتعامل مع الآخر؟ ومَن الآخر؟ وكيف يفكر هذا الآخر؟ وهل هناك حوار مع الآخر أم هناك صراع؟… مجموعة من التساؤلات تفرض نفسها ونحن بصدد الحديث عن مجال الفكر الإسلامي وإشكالياته في إطار علاقته بالحضارة الغربية.
وعند تطرقنا لهذه العلاقة تَحضُرنا كثير من النقط، كواقع الأمة الإسلامية في علاقتها بالآخر، والانجذاب النفسي (التبعية)، وهو الانجذاب الذي وقع للأمة الإسلامية بالآخر، وانطلاق النهضة الإسلامية؛ الذي هو مصطلح استعماري لحقبة المدرسة الإصلاحية التي تستهتر بكلمة النهضة/ اليقظة/ الأمية/ الخروج من طور التخلف.
ولعل هذا ما جعل التساؤل يطرح بحدة يُحيل بنا بشكل خاص عن مصطلح الحضارة الإسلامية، وعن الحرية الفكرية التامة، وعن مستوى حضاري معقم يؤهله للحضارة، وجعلت فكره يتحرك من تلقاء عوامل أخرى، بحيث لم يكن حرا في تفكيره، إذ كانت هناك ضغوط جعلت في ذاته وفي الآخر انطلاقا، بينما هو موجود، وهو محكوم بمجموعة من المعطيات جعلته يسير موكب الانجذاب والتبعية بدون شعور.
ومن خلال الوثائق التي تشرح لنا حالة الفكر عند المسلمين الذين قد ضلوا الطريق والاتجاه الصحيح، فنحن لا ننكر أنهم قد تطرقوا للمشاكل وأرادوا إيجاد الحل لها، أي نعم، وأنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، نعم، لكن كيف أمروا بذلك وفعلوا ذلك؟ مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وكيف ألقوا خطابهم؟ وكيف حاولوا تقنين الفكر الإسلامي وإعادة صياغته من جديد؟ هل يقومون به في خلوة وسرية أم جهرا؟ الآخر حاضر أم لا؟ وإمكانية الآخر المتطورة حاضرة أم غائبة؟ فهذا التساؤل الأخير هو الذي أستهدفه بالدرجة الأولى.
الآخر أو الغرب، قد قام برمي بعض العناصر الفنية، وما يتعلق بالعلم والإمكانيات التقنية الموجودة في حياض المجتمع الإسلامي، فجعله مبهورا أمامه يتأمله فاغرا فاه، كيف لا؟ فالمنتظَر من الأمة الإسلامية شيء واضح وضوح الشمس: الانبهار، فهذا الانبهار كان بإمكانه عدم الظهور في الساحة الإسلامية لو عمِلوا بمقولات واستجابوا لتوجيهات في طريقة تركيبهم للحياة الإسلامية، وأعني هنا (الحماة والمحميون).

&
أهداف فهم الواقع الإسلامي:
مناصرة اعتبرتُ الفتن التي وضعت في ساحة الإنسان الإسلامي ما هي إلا ثغرات تقف في وجه هؤلاء المفكرين الإسلاميين، ويظهر ذلك في غياب التخطيط، إذا استمر العالم الإسلامي قائلا بتحقيق الفعل إلى يومنا هذا، فالمجال النظري موجود، وأين التطبيق والتنفيذ؟
الإسلام يتحرك من ذاته في صفوف من أناسٍ لا يعرفون عن القرآن الكريم سوى اسمه، حقا لا يعرفون عن القرآن من شيء، فالفكرة هي التي تتحرك.
وغياب التخطيط يظهر في الكلمات والخطاب، يصف الإسلام بأنه الخلاص وأنه المنقذ، ولم تكن هناك وجهة صارمة لتصل إلى هدف معين وإنما هناك خطابات تائهة.
ومحمد عبده قد حاول لوحده أو مع غيره أن يقدم مخططا تربويا معينا لتحرير المجتمع لخلق الجديد والنظيف والسوي في الإنسان، فقد وجه خطابه للمسؤولين بتغيير المرافق في الأزهر.
وهذه النقطة قد لاحظها عليه عدة مفكرين، فأعابوها عليه، لأن التربية لا تقتصر في المؤسسات والبنايات، وإنما يجب أن تصل إلى فكر كل مسلم، وأن يكون لها منهج في حياض الأمة الإسلامية بدل من اعتماده منهجا آخر مشتت، فالغرب قد خطط بعقل حتى استطاع أن يجعل العالم -أجمع- الإسلامي يهابه.
فمن العوامل التي ساعدت على تفاقم نمو الحضارة الغربية، نذكر:
· التخطيط: بمعناه التدقيق لا بمعنى الارتجال، لأنها لا تفيد شيئا أمام الحكم المعقد من النظريات والمؤسسات التي أنشأها الآخر، وهناك إحصائيات تعطي أرقاما خيالية تؤكد بأن هناك مقالين في الدقيقة الواحدة يصدر في العالم الغربي.
· الفعالية: وهي محاولة الاستفادة من الإمكانية المتاحة له أكبر استفادة، ولكن الفكر العربي قد تقاعس عن تلك الفعالية والإمكانيات والبعد عن الباحث الفاعلي. والارتجال يظهر على مستوى البرامج العليا والبسيطة والمؤلفات التي تقوم بمحاولة إخراج الأمة من سباتها وخمولها، ومِن شَبَح المذهبية والتشنج والمصلحة الذاتية والأنانية.
· غياب تشخيص القضايا: بمعنى أنه يُنظر إلى المشكل على أنه هو المشكل والقضاء عليه هو التعليم، ومحو الأمية، والجهل. هو تعليم الإنسان كيف يقرأ؟ وماذا يقرأ؟ وما هي القراءة والغاية منها؟
· الاهتمام بالكم: قد برز وأفصح عن عقلية الإنسان المسلم، فقد أظهر اهتماما كبيرا بالأشياء وبتكديسها -كما يقول مالك بن نبي- والإنسان لم يظهر إلى الآخر كما ظهر الآخر إلى الحضارة الإسلامية في أوَجِّها، حيث أنه كان ذكيا جدا، أما نحن فقد حدث لنا العكس، حيث كان هناك عامل التأثر بالإعجاب، فالمادية هي المستحوذة على عقلية الإنسان المسلم.
والطهطاوي أيضا نظر إلى الآخر على أنه معجزة القرن، ونظر في إطاره الظاهري وأنه هو المحقق للكون في المدنية والتقدم وأنه صاحب الفضل. وإنها مقولة خاطئة اقتصرت على وصف الظاهرة.
عوامل أخرى ساعدت في تفاقم نمو الحضارة الغربية، وهذه العوامل نحددها في مجموعة منها: الإعلام.. التاريخ.. قراءة الآخر ودراسته.. وتعيين الهدف.
وخلاصة القول.. أن الانجذاب نحو الغرب على أساس أنه الأعلى والأسمى أكبر عامل ساهم في حضور الغرب وغياب الفكر العربي، وكما سبق القول، من أهم عوامل هذا الانجذاب.. النمو الصناعي والتقني الغربي/ حركية الغرب.
فالإنسان الإسلامي لم يدرك الغرب في نقطة جموده، وإنما أدركه في نقطة استمراره ولجوئه نحو الأمام. عندما استيقظ الإنسان المسلم، وجد أن الغرب لا يمثل شيئا مستحيل الوصول إليه، وكانت ردة فعله، أنه انزعج من ذلك فاصطدم، وهذا ما سماه البعض بصدمة الحداثة، لذا فقد تموقع الغرب في موقع القدوة، وخير دليل على ذلك، نظرة الطهطاوي ومحمد عبده على أن الغرب عنصر مقدس، فنظرة المسلمين إلى الغرب عبارة عن صورة رائعة بالنسبة لهم كلها تمدن وتحضر وتطور.
وعندما نقول حضور الغرب كقدوة، هنا توجد الخطورة الكبيرة، لماذا؟ لأن حضارة هذا الآخر سيطرت على فكر الإنسان الإسلامي، لأن فكره أو دماغه كان شبه فارغ، لأن الإسلامية التي وصلت إليه كانت مزيفة، فانعكست هذه المقولات الخطيرة مع بعض المفكرين الإسلاميين، مما أدى إلى انحطاط الفكر الحر، حرية المرأة مع تغيير هيكلها.
فأزمة الفكر الإسلامي الإصلاحي الأول كانت في غياب التخطيط، بالإضافة إلى عوامل خارجية كثيرة، لذا فقد كان تعامل الغرب معنا مجرد تعرف منه على العالم الإسلامي، أما تعاملنا معه فقد كان مجرد صدفة، وبدون تخطيط منه، أو أنه حقا مخطط خارجي استعماري إعلامي.
فالسيطرة الإعلامية واضحة ومفروضة علينا خاصة بالحاسوب مثلا: كانت وسائل الإعلام في حرب الخليج وعلى العالم الإسلامي كلها غربية.
أضف إلى ذلك المخطط التاريخي أو الثقافي: وهي تلك المجهودات التي قام بها الغربي ليستحوذ على العالم الإسلامي عن طريق البحث وعكوف المستشرقين على دراسة الأعلام الإسلاميين، فمثلا: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم قام به مستشرق ألماني، والمعجم المفهرس للأحاديث النبوية قام بها مستشرق هولندي، وترجمة ألفاظ القرآن إلى الفرنسية قام بها مستشرق فرنسي، ولا ننسى هنا فضل رجيه جارودي في الدفاع عن الإسلام، وفضل مؤلف " أثينا السوداء " التي تشع ضياء في أروقتنا الثقافية. وكيف تركنا نصوصنا نهبا لغيرنا؟
من بين المسائل التي وضعوها أيضا مسألة التخصص: والتي هي فكرة غربية سلطوها علينا لكي لا ننهل من شتى العلوم، وهلم جرا.
وهكذا استيقظ الإنسان الإسلامي منزعجا من حضارة الآخر، فأدرك قوته في مجال المدنية التنفيذية، وأدرك نقصه في الخلق والإبداع الإسلاميين.
أين نحن؟ أين هو الفكر الإسلامي والعلاقة الإسلامية في هذا الخضم؟ لقد طرحت الصحوة الإسلامية بكل تياراتها البديل للجمود والانبهار، ذلك بأن الإسلام هو الأصل وما سواه عبارة عن هوامش يمكن الاستفادة منها بقدر، فهي تدعو إلى التحرر من الغرب. وظهور هذه المناعة الفكرية في الأوساط الإسلامية تبشر بخير، وهذا لا يعني أن العالم الإسلامي قد تخلى عن جموده ومشاكله، وأنه قد تخطى تلك الإشكاليات السابقة عن الذوبان والاندماج بعد الانبهار. حقا أنه قد يسعنا ويمكننا القول أن الواقع لم يقع كما هو في المجتمع الآن، يشتمل على نسبة كبيرة من الشباب أي الفئة الفتية، لأنها هي التي لديها من الإمكانيات ما يكفي، لأن تقوم بتغيير الواقع يكون فيه الإنسان الإسلامي رائدا للحضارة، وهي ظاهرة تبشر بالخير، فهذه الصحوة الإسلامية لا نعتبرها حلا ولكنها ظاهرة صحية يُتفاءل بها في العالم الإسلامي، وهؤلاء المصلحين يمكن أن نقسمهم إلى:
· فئة تتعامل مع الغرب وقد تحبه لتحقيق ذاتها.
· فئة أخرى تعرف بالكراهية المطلقة للغرب.
· فئة أخرى قد تكره الغرب، وعندما تتقلب الكفة قد تتعامل معه.
لأن النخبة لا زالت تتخبط ولم تجد الوجهة الصحيحة لها، إذن ما هو الخلاص الذي يخرجنا من هذه البوثقة المعقدة؟
وذلك بمتابعة الواقع ورصده، عن طريق البحث وطرح التساؤلات، ما هو الإسلام عند مفكريه؟ أو كيف يقدَّم الإسلام للآخر من قِبل المسلمين*؟. فنحن أمام خضم كبير ومعقد من المعرفة: هو ذلك العنصر الثقافي الذي يلحق أو يسمى بالتراث الإسلامي، أو هو شيء آخر أكثر من ذلك؟ أم هو الأصل الأول الثابت الذي من خلاله تحققت الحضارة الإسلامية كنتيجة له؟ أم هو شيء آخر؟ إذن يجب أن نموقع الإسلام.
إضافة إلى هذا، نتساءل عن المعرفة الإسلامية؟
فلدراسة الحضارة بشكل معمق، يُلزَم دراسات متعددة: فالمعرفة الجزئية معرفة غير متكاملة ومتكافئة، والمعرفة الكلية هي معرفة متكاملة وشاملة ومتكافئة.
الحضارة في الفكر الإسلامي تقابل الحضارة الغربية، فالفكر الإسلامي له حضارته والحضارة الغربية لها فكرها، وهذا الاختلاف لم يتم بطريقة مبسطة، لأن هناك من يختصر الحقب والأزمنة، لكن حينما يتعلق الأمر إلى التدقيق فهو يحتاج إلى الإمكانيات التي تتاح للباحث ما قبل وبعد الحضارة.
إذن هذا الفكر الإسلامي في إطار هذه العلاقة لا يفكِّر في بسيط، ولكن في حقب زمنية متراكمة، وكذلك الأمر بالنسبة للآخر في حضارتنا.
فالمعرفة الإسلامية هي معرفة كاملة وأنموذج بارع في حياة الأمم، فسمة هذه المعرفة الإسلامية هي التكامل والتناسق، وذلك لتقديم صورة بارعة تعبر عن الحقيقة الإنسانية في الكون كله، فهذا التكامل في الفكر الإسلامي هو الذي يجب أن يستحضر.
فالعلماء الغربيون في ميدان فكرهم لم تكن لهم حقائق علمية، بمعنى الكلمة، فقدموا نظريات مبثورة، وكانت استنتاجاتهم خطيرة لا يحيل عليها الغربيون أنفسهم. فرشدي فكار اعتبرها نهاية العمالقة، فهو أراد أن يتلمس بنهايتهم، ويعتبر أن العبرة بالنهايات، أي ما هي الأقوال الأخيرة التي قالوها؟ وما هي استنتاجاتهم من علمهم؟ فتوصل إلى أن سبب هذه النهاية هو الاضطراب المعرفي وأغلبهم ما يصل إلى الانتحار فيضعون حدا لحياتهم ولوجودهم، فذاك أمر مدرك للعوام، ولكن بالنسبة للعلماء فالأمر فيه نظر، لأنهم هم الذين يُعتبرون علماء الحضارة الغربية. إذن هذه المنطلقات لا تشبه المنطلقات الإسلامية المتآزرة والمتلاحمة.
مسألة التساؤل عن الإسلام والمعرفة الحقيقية للإسلام، هي مسألة ضرورية، لماذا؟ لكي يحقق الأمر نسبة من ترتيب الأفكار والمعلومات في ذهنه، ولكي يعرف ما يقرأ معرفة دقيقة.
من هنا نحيل على إشكالية خطيرة قد تكون أسطورة، وهي التلاقح الحضاري ما بين الغرب والإسلام، فقد ادعى البعض أن الثقافات تتعايش وتتأثر وهذا أمر خطير.
ويمكن ذكر مجموعة من المبادئ -التي تتفق حولها المؤلفات-، والخطوات التي يجب نهجها، حتى نصل إلى مستوى يذكر، وهي:
1. العمل الجماعي: في إطار تكوين الإنسان الإسلامي الذي فاته أن يعرف معنى روح الجماعة، وعليه أن ينسى ما يسمى بالذات لكي لا تكون من أولئك الغربيين الذين نادوا بالفردية. فالمبدأ الإسلامي قلما نجد من يغيب، يُحضِر فشل هذه الخطوات التي قد نهجها الفكر الإسلامي في منطلقاته.. فالإنسان الغربي عندما أسس حضارته فهو أسسها في غياب عن الذات، وفكرة العمل الجماعي نجدها غائبة لدينا.
2. الرغبة: وهي غائبة عند المسلمين، سواء المفكرين أو العاميين.. فينبغي أن يكون تآزر الحاكم راغب في كذا، والعالِم راغب في كذا.. فنحن في الخطوة الأولى وهي معرفة ذواتنا، فالرغبة هي فكرة أصل تفرض ذاتها ووجودها قائم وهي ضرورية لتحقيق الشيء.. وهذا لا يعني وجود الرغبة وحدها، ولكن لابد من وجود شحنة ذاتية للعمل الحضاري في التعامل اليومي البسيط، وفي مظاهر السلوك وأعماق النفس، فلابد أن يحضر هذا الهاجس في الشعور واللاشعور، وكذا الشأن بالنسبة للطفل فعليه أن يدركها (أي الرغبة) في هذا العالم منذ نعومة أظافره، لذلك لابد أن نرضعه لبنها لكي تكون هذه الرغبة.
3. الإيمان: لابد من ترسيخ قاعدة من المبادئ والمعتقدات التي ترجع إلى ترتيب الفكر، وهذا استتبعه إفراغ هذه المنظومة (الإسلامية) المتعلقة بالمبادئ الإسلامية من كل ما هو عامل مخل، ويعيق التفكير السليم في المنظومة الإسلامية، وضبط ما يتعلق بالحالة النفسية في العالم الإسلامي وخاصة فئة الشباب. ومن هنا كان الإيمان يلعب الدور الكبير في نفسية الإنسان المسلم، إذ يُعَد ركنا فاعلا في المجتمع، به يُستطاع التخلص من جميع العقد التي قيدت الإنسان الإسلامي من عُقد الدونية، أي أنه أدنى من الآخر. فالاستقرار النفسي ضرورة حتمية، لذا وجب الإيمان.. بأن للإنسان المسلم موقعه ودوره في هذا المجتمع.
وهناك خطوات أخرى كثيرة تأتي لاحقاً وهي: إعادة النظر في الحياة العامة للمجتمع الإسلامي لتقديم كل جزئية بمقابلها. ونركز في الأخير على مسألة أساسية وهي الإيمان بأن هذا الإنسان العربي المسلم لديه من القدرات والأشياء النفسية ما يقدمه للعالم وهذا أمر عظيم لا يستهان به.
&
الحضارة من منظورين..الغربي والإسلامي:
الخطو إلى معرفة مدلول الحضارة الغربية في إطار تاريخها العام، أو في إطار التصورات المنهجية الموجودة في رحاب هذا الإطار الذي نتحدث فيه. فتحديد الفضاء صعب جدا، فهو يعد أمرا فيه من المغامرة ما فيه. فما هي الحضارة؟ ومن هو المتحضر؟ وكيف يصنف؟ وما هي العوامل التي تساهم في تأسيس الحضارة؟ والمجتمع المتحضر؟
تعريف الحضارة:
نحن بصدد دراسة موضوع معرفي غزير يحيلنا بشكل خاص إلى دراسة أهم المؤلفات في هذا الميدان، وهي كثيرة وكثيرة جدا إلا أنها تختلف فيما بينها في تعريف وتحديد الحضارة، ونأخذ منها كتاب [ قصة الحضارة ] لمؤلفها «وول ديورانت» في 42 مجلدا. فهذا الكتاب يركز على غرض يحمل في طياته نوعا من التسرع والتهور، إلا أن فيه لمحات لطيفة تظهر في تعامله مع جميع الحضارات، سواء كانت غربية أو عربية، أي أنه مخالف للنزعة التطرفية التعصبية، فهو يتعامل مع الثقافات الغير الغربية تعاملا هادئا. وأهم موضوع يتحدث عنه هذا الكتاب هو: " النهضة في الحضارة الغربية ".
من هنا نعود ونسأل، لماذا هذا التغير في الكتابات والتعريفات للحضارة؟
يعد هذا السؤال من إحدى الإشكاليات التي طرحت في مناقشة ودراسة مفهوم ومصطلح الحضارة. فإذا ما قمنا بإطلالة في تاريخ الحضارة نجد المرامي والأهداف التي يطمح إليها الإنسان الغربي عند تعامله مع الآخر هي مرامي وأهداف ذاتية. أي من أجل الاستفادة من الآخر ومن أجل المصلحة الذاتية ( الغربية / الأوربية ) وليس حبا في الآخر (المسلم) أو تعاونا معه، وإنما مبدأ المادة هو المتحكم في مختلف التعاملات مع الآخر.
من هو المتحضر؟
هو المثقف، وهو ذاك الإنسان الذي حصل على نسبة من الإدراك والمعرفة والإنتاج في ميدان معين دون مقابلته بالإنسان الآخر ( أي الهمجي ) وهو ما يسمى بمتحضر بقدر، ولكن مع هذا أصبح الإنسان الغربي ينظر إلى ذلك الإنسان البدائي بأنه بدأ يخطو خطوة نحو التحضر، ولكنه لم يصل بعد إلى التحضر أو قيمة التحضر. ورغم كثرة الكتابات والتعريفات كما أسلفنا، إلا أنه يجدر بنا القول بأن هناك تصنيفين اثنين:
التصنيف الأول: يبتدأ منذ ساحق الأزمان، أي منذ أن كان الإنسان الغربي منغمرا في حياته المتخلفة حتى نهاية القرن التاسع عشر.
التصنيف الثاني: يبتدأ منذ القرن العشرين إلى يومنا هذا.
ونحن هنا نقف على هذه التعريفات ليس في مستواها الحضاري وكلام وقواعد تنظر للواقع، ولكننا نأخذها على وجه التصدير، وذلك بالنظر إلى مقابل التحضر، وعندئذ تتكون لنا رؤية خاصة. وهذه التعريفات التي حدث فيها هذا التغيير، فإنها لازالت عند بعض العرب الذين يتعلمون من الغرب ويعتبرونه هو الأستاذ والمنظِّر، وهو القدوة الموجب اتباعها لتحقيق الرقي والتحضر.
إذن، فيما يتعلق بهذا كله، نقول أن التعريفات لا تؤخذ مصداقيتها إلا من خلال مطابقتها في النصوص.
&
نشأة الحضارة وتأسيسها:
التساؤل المطروح إلى جانب إشكال التعريفات، هو ما تساءلت عنه الدراسات الغربية المتعلقة بمُنشئ الحضارة ومؤسسها. فمن هو منشئ الحضارة ومؤسسها؟ هل هو الإنسان الفرد؟ أم الشريحة الاجتماعية؟ بتعبير آخر، الفرد أم المجتمع؟
فهذه إشكالية نظرية طرحت بشكل حاد في المجال الغربي وقدمت عنها إجابات جاءت في إطار مواقف، هذا الإشكال وإن كان نظريا فهو مهم، لأن فيه إحالة على سنن التاريخ والحضارات، ولكن يتعداه إلى مستوى آخر يمثل المدخل العملي، وهكذا فقد انبثقت مدرستين متعارضتين:
المدرسة الفردية: وتدافع عن الفرد كعنصر فعال في قيام الحضارة.
المدرسة الجماعية: تدافع عن الجامعة باعتبارها المؤسسة للحضارة.
يعني..أن تلك المدارس التي أخذت عن نفسها ذلك الطرح، إنما تؤكد على حقيقة مهمة لها تأثير على عقلية الأفراد في إطارهم العام، وعن كيفية الإجابة عن السؤال المشكل، وهو كيفية التحضر؟ فهذه المدرسة لها من التأثير في حياة الأمم الأخرى، وهذا يحيلنا على إشكالية أخرى تطرح نفسها، وهي مَن الفاعل؟ ومَن المؤثر؟
فإذا كانت الإحالة على المجتمع أو الفرد، فهناك نظر..فالمنطق الذي يتحدد في المجتمع هو منطق خاص، لأنه ينظر إلى هذه الشريحة باعتبارها المادة الحضرية يحيل على هذا المجموع وكأنه « المقدس » أو « المنزه » فينظر إلى هذا المجموع وكأنه مجال غيبي بتناسقه، يفعل في التاريخ ويفعل وحده.
فالتركيز على دور الجماعة، فيه إحالة على القيم والأخلاق والتقاليد، وكل ما هو معنوي، وكل ما هو ثقافي يصبح شيئا متجاوَزا، لأن سلوك الفرد يذوب في هذا السياق لأن تصبح هناك سلطة أسمى، وهي سلطة هذا المجموع، وبالتالي تكون المنظومة الأخلاقية على الهامش. فالأخلاق لا تحضر على مستوى الفرد، وبالتالي تكون مصلحة المجتمع هي المقدمة على المصالح الأخرى ( الفردية ). وهي تظهر على البعد الحضاري، أي تحقيق النفع المادي. فهذه المدرسة سوف تجد المقابل لها في فرنسا عند تقديم طرحها، وهي المدرسة التي ضخمت من دور الفرد وجعلته هو الفاعل في التاريخ وغيبت الجماعة وأعطتها دورا ثانويا، إذ هنا نجد أن الفرد يطغى في هذه المدرسة وأيضا عند أولئك الذين ينظرون بهذا المقياس. وهذا يحيلنا إلى الحديث عن عبقرية وبطولة وأمجاد شخصية معينة ( هتلر مثلا )…
وقد بدت الظاهرة الاجتماعية عند "أوجست كونت A. Conte " ( 1957م) أمام الفلسفة الوضعية ومن ذهب مذهبه*، وتمكنت خاصة على يد المدرسة الاجتماعية الفرنسية التي يتزعمها إميل دوركايم ( 1917م ).
أما النظرية الفردية فقد كان رائدها الأول "توماس كارلايل T. Carlyle " الذي استند إلى القول بأن من أراد أن يعرف تاريخ أمة، فحسبه أن يعرف تاريخ أبطالها.
كما نجد دراسات عديدة في المجال الغربي أخذت عن هاته المدارس التي لا تنطلق من فراغ، بل هناك موجهات معرفية ستتبين لاحقاً وستتآزر هذه النظريات في أطروحة واحدة في إطار فلسفة معينة.
وهناك من أخذ الاتجاهين معا ( الفردية والجماعية )، وسلك سلوكا انتقاديا، نستحضر هنا "جون ديوي J. Dewey" (1952م) الذي انتهى بعد البحث في آراء الكثيرين من علماء الاجتماع المعاصرين، إلى أن لفظي الفرد والمجتمع غامضان غموضا شديدا، وأن هذا الغموض سيستمر قائما طالما اعتبرنا الفرد والمجتمع لفظين متضادين.
بالإضافة إلى ذلك..هناك مقالات كثيرة تتعلق بحياة الحضارة في الحقل الغربي، فإذا كان السؤال: من المنشئ للحضارة؟ فهناك تساؤلات أخرى من بينها سؤالا يطرح نفسه بنفسه هو: ما هي العوامل التي تساهم في تأسيس الحضارة؟ وفي تأسيس المجتمع المتحضر؟
فالمجال الطبيعي يؤثر في المجال الحضاري، فهناك آراء تذهب إلى أن المناخ البارد له فعالية خاصة يدفع الإنسان إلى التحضر، وأن المناخ الحار له دور معاكس لهذا الأول، بحيث يدفع الإنسان إلى التقاعس وعدم الاجتهاد، ومن رواد هذا الرأي نجد هنتنغتون Huntington في كتابه: [ المنابع الرئيسية للحضارة The main springs of the civilization ] وفيه رد الحضارة والتقدم إلى المناخ المعتدل البارد، وقال إن جميع المناطق الحارة والمدارية سكانها متخلفون متأخرون…! ( هذه مقولة يأخذ بها الغربيون ولكنها ليست صحيحة في نظرنا ). فمسألة المناخ هذه، قد كُذبت من خلال تاريخ قديم قد يرهف على أن المسألة متعلقة بالأنفس وهي مسألة أصلية وعميقة في الإنسان، وليست المسألة متعلقة بالمجال الطبيعي.
فوول ديورانت في كتابه [قصة الحضارة] يمثل في مناسبات متعددة بنماذج الغربيين الذين ذهبوا إلى تقسيم الحضارة بالمواقع الجادة، فهذا المعطى المتعلق بمحاولة التقسيم نجد فيه إشارات ونوع من الشعاع المنبه على أن هذه الدراسات تريد أن تصل إلى شيء ما. فإلى ماذا تريد أن تصل؟
فهي تريد أن تصل إلى هذا الشيء، ولم تصرح بخلفياتها، فهي تخدم مجالا وتعمل على تحطيم مجال آخر، وهذا يظهر عند تيار فكري في مجال تاريخي قسّم الشعوب إلى شعب «آري» وآخر «سامي»، فلِم هذا التقسيم وهذا التصنيف للاتجاهين دائما؟
فتقسيم الشعوب إلى عِرق آري وآخر سامي، ينبغي أن يؤسَّس على تجارب أكثر من الفرضيات. فعندما يتعلق الأمر بتجارب وقضايا، فإن الأمر فيه نظر متمعن وثابت. فإذا جاءت مدرسة وقالت أن أصل الإنسان قرد، فإن الأمر يحتاج إلى مدعمات تحتاج إلى مقياس، لأننا نقرأ مع أولئك، وكفانا تجربة لتبين لنا صلاحية الفكرة أو اضمحلالها. ففيما يتعلق بالعرق الآري والسامي، فلا يجب النظر إليه بالنظير، لأن المسألة تحتاج إلى التخمين والبرهان، وهذه النظرية لم يُؤت إلى يومنا هذا ببرهانها ومستنداتها، وتجد مَن يأخذ بها على سبيل تحديد قضايا خطيرة.
فالنظرية التي ترد الحضارة إلى الجنس الأبيض هي نظرية نبتت في القرن التاسع عشر -وإن قال بمضمونها القدماء- تفرق بين شعب «آري» هو الأصل الذي تنتمي إليه الأمم الأوربية وبعض الأمم الأسيوية، ممن انحدرت لغاتهم عن أصل واحد هو اللغة السانكريتية أو غيرها*، وشعب «سامي» الذي ينحدر عن العرب والكلدانيون والأشوريون والعبرانيون.
ونستحضر هنا نص لرجل عرفه الفكر الإسلامي وتعامل معه بشكل مراجع ألا وهو "إرنست رينان" E. Renan اشتهر بهذه القضية ودافع عنها بشكل كبير، وأبرز الدراسات التي برزت فيها مؤلَّفه المعنون بـ« تاريخ اللغات السامية »، وآخر بعنوان « ابن رشد وفلسفته »، ونجده يؤكد أن الجنس السامي دون الجنس الآري في قدراته العقلية، وقد تأثر به بعض معاصريه وخلفائه، وصرح في كتابه الأول بأن « خواص النفس السامية تتجلى في انسياق فطرتها إلى التوحيد من جهة الدين وإلى البساطة في اللغة والصناعة والفن والمدنية، وأخلص أنواع الجنس السامي هو العرب. أما النفس الآرية، فتتميز بميل فطري إلى التعدد وانسجام التأليف » . فمقولة "رينان" هذه تنسجم في عبارة وجيزة، وهي أن العقلية العربية هي عقلية بسيطة، وهي جزء من العقلية السامية والتركيبة الذهنية للإنسان الآري. هي تركيبة مركبة، والمركب هو ذلك المؤلف المنسجم والبسيط بشكل قد يصل إلى الإبداع والابتكار عكس العقلية السامية التي لا تقود إلى الإبداع والابتكار. ونجد في آخر هذا الطرح يستثني فيقول: «وأخلص أنواع الجنس السامي هو العرب» لأن هذا الرجل حكم بهاجس التركيز إلى هذا العنصر ومحاكمته كمحاكمة "هتلر" إلى اليهود لكي يبين هنا عنصرا آخر هو العنصر اليهودي باعتباره أحط من العرب، وهذا الاستثناء يقرأ بمستويات عدة.
ويقول في كتابه الثاني [ ابن رشد وفلسفته ]: « ما يكون لنا أن نلتمس عند الجنس السامي دروسا فلسفية، ومن عجائب القدر أن هذا الجنس الذي استطاع أن يطبع ما ابتدعه من الأديان بطابع القوة في أسمى درجاتها، لم يثمر أدنى بحث فلسفي خاص، وما كانت الفلسفة قط عند الساميين إلا اقتباسا صرفا جديبا وتقليدا للفلسفة اليونانية » .
ففي هذا النص، يريد "رينان" أن يبرز جانب الاجتهاد الآري، وهو طرح مسؤول بهاجس التنظير. فالفلسفة هي المقياس الغربي والآخر يقاس عليها، فهي أم العلوم، وأهم مجالاتها الفكرية والذهنية. فمتى وُجد باحث إلا وأشار إلى الفلسفة أو المعرفة الفلسفية، وهي الخلاصة الإبداعية للإنسان الغربي المتطور. فالمقولة الفلسفية متى وجدت كانت تلقف بلهفة، ونقل التراث اليوناني على أساس أنها عبقرية.
إذن..المقياس عند هذا الرجل هو المعرفة الفلسفية، وهي قمة الهرم الفلسفي. ويصنف هذه الأمة الفلسفية في إطار الأمة المتقدمة، وهذا يخالف المقياس الذي يطبق على الأجهزة المعرفية. كما أن نظرياته هي نظريات فجة لا تتماشى مع الواقع، فقد كان محكوما بهاجس خارجي تحكم في أفكاره آنذاك. وهذا الهاجس هو هاجس التنظير والتعصب، لذا لا نستطيع أن نحكم على مقولاته، بحيث لم يكن ممنهجا في أفكاره، وأيضا أن هذه المعطيات تفتقر إلى مستندات وبراهين علمية وإلى حجج دامغة.
ومن أسف أننا نلاحظ أن بعض البلاد قد هبت بها نزعات كانت قد ركدت ريحها، وليس من شأنها أن تخلّص نفوس الناس من عوامل العصبية والهوى، مثل نظرية تفوق السلالة النوردية الشاملة لشعوب أوربا الشمالية (ألمانيا)، ومثل فكرة تفوق البيض على السود المنتشرة في أمريكا الشمالية، وفكرة تفوق الجنس الأبيض على الهندي…وهذه نزوات لا يسندها علم ولا حق.
وصفوة القول أن البيئة الاجتماعية -أي ما يكون في المجتمع من نظم اجتماعية- كنظام حكومة ودين وأسرة وتعليم ونحو ذلك أهم في قيام الحضارات ونموها من غيره من عوامل البيئة التي يعيش فيها صناع الحضارة أو الجنس الذي ينتمون إليه.

&
مسيرة الحضارة الإسلامية:
مرت الحضارة الإسلامية في مسيرتها بأربع مراحل، بدت أولاها في عصرَي الراشدين والأمويين خلال القرن السابع إلى منتصف الثامن (التشريع في الإسلام). والمرحلة الثانية من بدء العصر العباسي في منتصف القرن الثامن حتى آخر القرن التاسع وهو عصر الترجمة. والمرحلة الثالثة عن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية خلال القرنين العاشر والحادي عشر. أما المرحلة الرابعة عن تدهور الحضارة الإسلامية من القرن الثاني عشر حتى بدأت تستيقظ أواخر القرن التاسع عشر حين استيقظت بعض الدول الإسلامية باتصالها بأوربا التي بدأت نهضتها منذ بداية القرن الرابع عشر أي منذ ستة قرون إلى ذلك العهد. وقد أخذت بقية الدول الإسلامية تستيقظ بعد سبات طويل إبان القرن العشرين.
وقد يثور منذ البداية إشكال أثار الفرقة بين طائفتين من الباحثين، أهي حضارة إسلامية أم عربية…؟ ومثل هذا الخلاف قد شجر بين الباحثين بعضهم مع بعض في شأن الفلسفة التي نشأت وتمت في كنف الإسلام، أهي إسلامية أم عربية…؟
وقريب من الرأي الذي انتهى إليه جمهرة الباحثين في شأن الفلسفة الإسلامية، نقول إن الحضارة التي نحن بصددها (عربية) إسلامية.
كان الإسلام في البداية حضارة عربية، والمسلمون هم العرب واللفظان مترادفان، ومن أجل هذا أمر عمر بن الخطاب بإخراج غير المسلمين من جزيرة العرب، فأصبح جميع أهلها مسلمين أي عربا -كما يقول جرجي زيدان- وقوا الإسلام هو القرآن وقد نزل بلغة العرب لقوله تعالى: ) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون( وفي مقام آخر يقول: ) وإنه لَتنزيلُ ربِّ العالمين، نزلَ به الرُّوحُ الأمينُ، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسانٍ عربي مبين( ، وعندما تغلب الصحابة على دولتي الروم والفرس كانوا يعتقدون أنه لا يسود إلا العرب.
تكوّنت عناصر الثقافة والتقاليد الثقافية الإسلامية ونمت وتطورت بتناغم أساسي مع الدين. وهذا يعني أن فك الارتباط بين الدين والثقافة الإسلامية يجرد هذه الثقافة من هويتها ويقتلعها من جذورها الروحية. وعلى العكس من ذلك فإن الثقافة الغربية الحديثة -والمعولمة- تكونت خارج الدين وفي أحيان كثيرة قامت على تحدّيه على التناقض معه. وهذا يعني أن نموّها وتطوّرها يتطلب دائما الإبقاء على الحالة التمردية والانقلابية للثقافة على الدين، والعمل على عزله عن التدخل أو التأثير في مسيرتها. أدى ذلك إلى قيام الهوة الواسعة بين الدين والعلمانية، أي بين ما هو إلهي وما هو بشري، بين ما هو مقدس وما هو دنيوي، حيث الهيمنة دائما وبالضرورة للدنيوي.
من هنا التناقض بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية.
إن التشخيص الأوروبي لواقع العالم الإسلامي يقوم أساساً على هذا التناقض. فالغرب يعزو تأخر المجتمعات الإسلامية إلى تمنّعها عن فك ارتباطها الثقافي بالدين. وهو يرى أن هذه المجتمعات تقصّر عن مواكبة المسيرة الحضارية، لأنها غير قادرة على أن تحذو حذوه بصناعة ثقافية لا دينية. في الثقافة الغربية الدين ماضٍ. والتمسك بالدين هو ارتداد عن المستقبل. من هنا فإن الثقافة الغربية لا ترفض الإسلام كإسلام، ولكنها ترفض الدين من حيث هو مكوّن لثقافة عصرية. وتعتبر التمسك به حجر عَثرةٍ في وجه انتشار الحضارة الإنسانية وعولمتها.
أما التشخيص الإسلامي لواقع العالم الإسلامي في تعامله مع العولمة، فإنه أكثر تعقيدا. هناك ثلاث مدارس فكرية وصلت في تشخيصها لهذا الواقع إلى نتائج مختلفة.
تقول المدرسة الأولى: إن الثقافة الإسلامية الحالية هي ثقافة استسلامية للماضي التليد، وأن من مواصفاتها الرضى بالنفس واللامبالاة ورفض الثقافة الغربية جملةً وتفصيلاً.
وتقول المدرسة الثانية: إن الثقافة الإسلامية بدأت تتأثر بالمظاهر الخارجية للثقافة الغربية دون أن تغوص في أعماق جوهرها. وأن هذا التأثر المظهري يُشكِّل خطرا على الهوية الإسلامية من حيث إنه يهزّ أركان الثقافة الإسلامية ويحاول أن يجعلها مجرد تابع للثقافة الغربية وليس شريكاً فيها.
أما المدرسة الثالثة: فتدعو إلى نهضة ثقافية بين المنطق والوحي وبين العلم والماورائيات، بما يمكّن العالم الإسلامي من تجنّب تشرذمه الفكري وبالتالي من تجنّب الخضوع من حيث يريد أو لا يريد فريسة الثقافة الغربية في زمن العولمة الجامحة. ولقد أطلق أصحاب هذه المدرسة مشروع « أسلمة المعرفة » وهو مشروع يقوم به المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، ويحاول إضفاء طابع إسلامي على مختلف المعارف الإنسانية العامة.
نقول أن هناك مشكلة حقيقية في العالم الإسلامي، غير أن هذه المشكلة ليست موجودة في الجينات في خلايانا الحية؛ أي أنها ليست وراثية، ولكنها موجودة في وعينا، وبالتالي لا يمكن معالجتها إلا من خلال تغيير ما في هذه العقول ومن خلال تحفيزها على الانفتاح على آفاق المعرفة التي حثّنا القرآن الكريم في العديد من آياته الكريمة على اكتشافها في الكون وفي أنفسنا.

&
الشرق والغرب يلتقيان:
كان شاعر الاستعمار الإنجليزي "رديارد كبيلنج Radiard Kipling " يقول ما يقوله غيره من المستعمرين: « الشرق شرق والغرب غرب، ولا يمكن أن يلتقيا » وذلك ظنا منهم بأن طبيعة العقلية الغربية تؤهلها لإبداع الفكر والأصل المبتكر، وأما طبيعة العقلية الشرقية فإنها لا تؤهلهم في مجال الفكر لإبداع جديد، بل أن أصحابها من الشرقيين لا يقوون على فهم الفكر الغربي الأصيل، فإن ترجموه شوهوه بترجماتهم لأنهم لم يفهموه. ولكن استقراء تاريخ الفكر يشهد بأن "كيبلنج" وأمثاله من المستعمرين قد ضلوا سبيلا، فإن الأوربيين في الغرب والمسلمين في الشرق قد كانت بينهم طوال التاريخ لقاءات حضارية وليست حربية، أولها لقاء بدأ في حركة الترجمة التي نهض بها المسلمون في مطلع القرن الثامن للميلاد أي مطلع العصر العباسي حتى آخر القرن التاسع الميلادي، ونقلوا فيها تراث اليونان وطعموا به تراثهم فكان هذا بداية العصر الذهبي لحضارة الإسلام. وفي ثلاث لقاءات أخرى نهضت أوربا بترجمة التراث العربي الإسلامي في العلم والفلسفة والفن والأدب، وكان هذا في صقلية - وهي تحت حكم العرب المسلمين - في النصف الأخير من القرن الحادي عشر، وفي إسبانيا ( بلاد الأندلس ) منذ النصف الأول من القرن الثاني عشر، وفي أثناء الحروب الصليبية التي استمرت من القرن الحادي عشر حتى الثالث عشر. وأسفر اتصال أوربا بحضارة الإسلام عن خير وبركة، إذ أدى هذا في أوربا إلى يقظة بعد جمود، ونهضة بعد ركود فانتعشت بها العلوم والفلسفات والفنون والآداب، وواصل النهوض مسيرته حتى كان من أمره ما نراه اليوم مما يثير الدهشة التي قد تصل إلى ذهول.
&
حوار الحضارات وصراعها:
قصد هنتنغتون من وراء مقالته عن صراع الحضارات (1993م) ثم كتابه في الموضوع نفسه ( 1996م) إلى تصوير المشهد العالمي بعد انقضاء الحرب الباردة، ليقترح استراتيجيةً للولايات المتحدة لمواجهة تلك المتغيرات.
فلما جاءت هذه المقولة أو هذا الكتاب قامت الدنيا ولم تقعد. وكان إصرار النخب الثقافية والسياسية عندنا على قلب المقولة إلى "حوار الحضارات". ففي الصراع نعرف أن موازين القوى تقود باتجاه واحد هو أن نسحق وندمر، أما الحوار فهو يسمح لنا بأن نكون طرفاً. وبذلك نستريح من عناء الجهد والعمل وتعبئة الإرادة لنصنع الأمة ونوحد القدرات ونضاعف الإنتاج.
ونشير إلى أن هنتنغتون ليس بمؤرخ، بل هو باحث استراتيجي، ولو بنى موقفه على دراسات متأنية للأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ لأدركنا أن صراع الحضارات وحوارها وجهان لعملة واحدة - كما قال الدكتور الفضل شلق - وأن الحضارات لا تتصارع ولا تتحاور، بل الناس هم الذين يتصارعون ويتحاورون لأسباب سياسية واقتصادية، وأن مواقفهم لا تنبع من معطياتهم الحضارية والثقافية بقدر ما تنبع من رؤاهم للمستقبل، ومن الأهداف التي يحددونها لأنفسهم ولمجتمعاتهم.
ولو استندنا إلى تاريخنا لاستنتجنا من دراسة كتب الجغرافيا والرحلات ( ابن بطوطة، وابن جبير، وابن فضلان، والإدريسي، وابن رسته وغيرهم…) أن حضارتَنا العربية والإسلامية لم تفترض آخر مغايرا أو مضادا. فما الحديث عن الآخر والحوار معه إلا نوع من التشاطر الثقافي الذي قادنا إليه أنصاف المثقفين ومخططو السياسة. إن حضارتنا العربية-الإسلامية لم تشيد جدارا بينها وبين البرابرة، كما فعل الصينيون وكما فعل الرومان، وذلك لأنها لم تفترض أن الآخرين برابرة، ولأنها لم تفترض أن المجالات الحضارية الأخرى « آخر » مغاير لها. فحضارتنا على مدى التاريخ مزيج من حضارات أخرى، وهذا هو سر عظمتها.
فالحضارات بالنسبة لنا تتواصل على المدى القصير (السياسي) أو الطويل (الحضاري)، فيكون تواصلها إما صراعا أو حوارا، لكنه يبقى في الحالتين أمرا موضوعيا يحدث حتى لو أراد أهل أي حضارة عزلها تماما عن العالم الخارجي. لكن التواصل شيء والأفكار المتعلقة به شيء آخر، وهذا يمكن أن تتشكّل في إيديولوجيا وهمية تخدم أغراضا غير إنسانية. وخطورة الاستجابة لإيديولوجيا صراع الحضارات، أو حوارها، ذات وجهين:
الوجه الأول هو أن مقولة صراع الحضارات أو حوارها، تُحول الحضارة لدينا إلى مفاهيم أو جواهر مبنية على أفكار مسبقة، أي على أفكار مرغمة وقسرية، فتحل هذه الأفكار والجواهر مكان البحث التاريخي، أي تحلُّ مكان الواقع وتلغيه.
أما الوجه الثاني لمقولة صراع الحضارات أو حوارها فهو أن الدخول في هذا الحوار/ الصراع يتطلب أشياء أخرى غير اعتراف الحضارات ببعضها البعض على قدم المساواة المرهونة. فالحضارات يتم الاعتراف بها اعترافا متبادلا، وبعد ذلك يتم التمييز بين الحضارة باعتبارها مجموع الإنجازات المادية وبين الثقافة باعتبارها مجموع الإنجازات الروحية/القيمية. ثم يتم تثبيت القيم الروحية، أي الإنجازات الثقافية، في جواهر ومفاهيم، وهذه تصبح موضع الاعتزاز على اعتبار أنها العناصر المكونة للهوية. وفي المقابل يتم إلغاء الإنجازات المادية وتهميشها. وفي أحسن الأحوال، يقال إن هذه تأتي لاحقاً، فهي ليست إلا مجرد ديكور مضافة لحياة المجتمع وتكوينه. وهذا يؤدي بدوره لا إلى تبرير العجز وحسب، بل إلى ضرب فكرة التقدم أيضا.
والتقدم في نظرنا، ليس هو مجموعة من إنجازات مادية يقوم بها مهندسون وتقنيون في عزلة عن مجتمعهم ( وبالتالي يكفي إرسال بضع بعثات إلى الخارج لاكتساب التكنولوجيا ثم العودة إلى الوطن لممارستها )، بل هو ( أي التقدم )، الحصيلة المادية والروحية لنهوض شامل، والنهوض يحمل معنى التجاوز، تجاوز الماضي مهما كان مجيدا ورائعا. والتقدم المادي لا يحدث دون تعبئة روحية وتجديد في القيم، بمعنى اكتساب قيم جديدة حول العمل والإنجاز والحقوق والواجبات. والقيم في مجتمع ما، لا يقتصر على المبادئ الأخلاقية التي لا يخلو منها دين من الأديان، كما أنها ليست مجالا يحتكره الدين. فالقيم جزء من سيرورة المجتمع التاريخية، وهي أيضا تتجدد بتجدد المجتمع. ويضاف إليها ويحسم منها مع توالي المراحل التاريخية. فالرق الذي كان مقبولا لم يعد كذلك. أما الديمقراطية والحق المطلق بالملكية الخاصة، والانتخابات وحقوق الإنسان، وربما القومية والوطنية، فهي مبادئ جديدة لم يعرفها مجتمعنا قبل الاحتكاك بالغرب الأوروبي.
يبقى السؤال: التفوق لمن؟ هو شغلنا الشاغل، وينبغي الإجابة عنه بوضوح. فعندما جاءنا كلام "بِرلِسْكوني" عن تفوق الحضارة الغربية بقيمها المسيحية، قامت الدنيا ولم تقعد، وطلب أمين عام الجامعة العربية اعتذارا، وإلا…إن هذه المقولة البشعة لا تأخذ بالاعتبار أن المسيحية وقيمها جاءت من الشرق، وأن التفوق لم يكن دائما حليفَها. ففي مراحل من التاريخ كان التفوق عند المسلمين. لكن المشكلة الأكبر في الردود عليها والتي لا تأخذ بالاعتبار أيضا أن كلَّ أمةٍ تعتبر أنها هي أفضل الأمم عِرقا وخُلقا، كما لا تأخذ بالاعتبار أن هناك الآن تفوقا غربيا يجب الاعتراف به. والتفوق ليس مسألة قيم بمقدار ما يتعلق بإنجازاتٍ تقود إليها ظروفٌ تاريخية تجتمع في وقت من الأوقات لتفجر الطاقات في سياقات سياسية وعسكرية معينة.
لقد انشغل بالُنا -على مدى العقود الماضية- بالإمبريالية والعولمة والمؤامرة الدولية أكثر مما انشغل بموضوع المؤامرة وهو هذه «النحن» المشتتة. وانشغل بالُنا بصراع الحضارات وحوارها أكثر مما انشغل بدراسة تجربتنا التاريخية وفهمها. والآن ينشغل بالُنا بتفوق الغرب أكثر مما ينشغل بتأخرنا وتشتتنا وتمزقنا،…إلخ. لقد انشغل هذا البال بـ«الآخر» أكثر مما انشغل بـ«النحن»، ولأننا لم نفهم «النحن»، لم نستطع فهْمَ الآخر الموهوم.
إن الخطورةَ في الردود على "بِرلِسكوني" وأمثاله، هو أنه يَشغَلُنا عن أنفسنا وعن اقتراح مفاهيم جديدةٍ للعمل والسلوك في وقت يتعرض العالم فيه لتحولٍ كبيرٍ بعد 11 سبتمبر 2001م. فأن يقاتَل بعض العرب في أفغانستان لا في فلسطين، وأن ينشأ نظام يزعُمُ أنه إسلامي ويمنع البنات من التعليم، هو تعبير عن أزمة في الوعي والعمل، وفي الوعي قبل العمل. والتفجيرات التي حدثت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001م، هي تصدير للأزمة. وأن لا نستطيع تصديرَ إلا الأزمات هو مؤشر على الانهيار. وأن لا تجد الجامعة العربية شيئاً تفعله في هذا الوقت العصيب غير الرد على مقولةٍ حضارية يعرف الجميع أن صاحبها يضمرها حتى ولو لم يقلها، هو تعبير عن غياب إرادة الفعل لحلّ الأزمة أو لتفادي الانهيار.
إن ما يحتاج إليه العربُ اليوم -كما في الأمس وكما في الغد- هو آليةٌ للعمل العربي المشترك من خلال الإطار الذي توفره الجامعة العربية.
لا يستطيع العرب ولا المسلمون البقاء في «غضبهم» وكأن العالم لا يعنيهم، أو كأن المحتوم عليهم أن يخوضوا مواجهةً معه.
ولا يستطيع العرب والمسلمون اعتبار أن ما جرى في 11 سبتمبر 2001م لا يعنيهم، إنْ بحجة أن جماعة "بن لادن" هم من تبنتهم السياسة الأمريكية سابقا في وجه السوفيات، أو بحجة أن السياسة الأمريكية أخطأت على مدى العقود السابقة تجاه العرب في فلسطين، أو بحجة أن الفاعلين أفراد معزولون عن مجتمعاتهم، أو أنهم قد لا يكونون عربا ولا مسلمين. قد يكون هذا كله صحيحا. ومع ذلك فما حدث هناك يعنينا، ليس فقط لأن الضحايا مدنيون أبرياء، بل لأن النظام العالمي يعنينا، وكل تغيُّرٍ فيه سيؤثر فينا.
لقد اعتقد كثيرون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م أن أصولية "بن لادن" وعقائديته، ونظرته المانوية إلى العالم، إنما كانت وما تزال هامشيةً في المجالين الثقافي والسياسي. بَيدَ أن الفصامية بارزة وقوية في المجال الثقافي والديني العربي منذ السبعينات؛ وإن لم تكن تجلياتها عنيفةً عنف الأصولية الملقَّحة بالسلفية. وإذا كنتُ قد لاحظتُ من قبل أن هذا النظرُ إلى العالم يكشف عن فقر معرفي وإنساني يقطع مع ثقافتنا التاريخية، ومع العالم؛ فإن الحرب على هنتنغتون، والحرب على العولمة، تكشفان عن غياب للحوار والتواصل من جهة، وعن سقوط للسياسة من جهة أخرى. فمشكلاتنا مع العالم وفيه مشكلات سياسية واقتصادية وليست ثقافية. لكن اللجوء إلى النقاش الثقافي والحضاري يكشف عن وعي غريب ومغيّب عن الواقع ووقائعه وإمكانيته وتحدياته. فلا حوار ولا صراع بين الحضارات والثقافات في مسألة الهيمنة، وفي مسألة التنمية، وفي مسألة العولمة، وفي مسألة وسائل الاتصال العصرية، وفي مسألة الصراع مع إسرائيل…إلخ. والدخول في جدال ثقافي وحضاري حول ذلك كله يعني استحالة الوصول إلى حلول ومعالجات لهذه القضايا كلها، بما يُفضي إلى الاعتقاد بانسداد الأفق، وضرورة الاستسلام أو الانتحار وهما وجهان لعملة واحدة تماما مثل حوار الحضارات أو صراعها.
&
الخلاصة:
إن الحوار الهادف مع الآخر، يجب أن يخضع لثوابت وأصول حددها لنا القرآن الكريم في كثير من آياته الكريمة، وحثنا على المحافظة على تلك الآداب خاصة في الحوار مع أهل الكتاب في قوله تعالى: ) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن( . ويجب أن يكون الحوار متواصلا مع جميع الحضارات والثقافات في العالم، خاصة في عصرنا هذا عصر الاتصالات والإنترنت. لقد أصبح من واجبات المسلمين العمل على مواصلة الحوار لتصحيح صورة الإسلام المشوهة، التي عُلِّقت في أذهان الغربيين عبر القرون، نتيجة للجهل بالإسلام وبخصوصيات الثقافة العربية الإسلامية. لقد آن الأوان ليعرف العالم أجمع رسالة الإسلام السمحة، وعلى المسلمين المحافظة على هويتهم الثقافية المرتكزة على اللغة العربية، لغة القرآن، وعلى الثوابت الفقهية في الفكر الإسلامي، أي ما يمكن أن نطلق عليه بالمفهوم المعاصر الخصوصيات الثقافية للشعوب العربية والإسلامية.
علينا أن نتمسك بالخصوصيات الإسلامية المرتكزة على مفهوم أن الإسلام دين عالمي يصلح لكل مكان ولكل زمان، والرسول محمدe هو رسول عالمي لم يُرسل إلى قوم بالتحديد، فقد خصّه الخطاب القرآني بتعبير استثنائي، ولم يربط اسمه أبدا باسم قومه أو بلدته أو مدينته، بل ذكر اسمه دائماً مقترِناً بكلمة "الناس" أو العالم أجمع مثلما جاء في الآية الكريمة: ) وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون( وفي آية أخرى:) وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين( ، وهذا يعني أن الرسول محمدe مرسل إلى الأمم جميعاً، وإذا ترجمنا كلمة الأمم جميعا إلى الإنجليزية والفرنسية، سنصل إلى Globe فنشتق منها Globalization أي العولمة*، وهو ما نود الوصول إليه لنؤكد أن الرسالة المحمدية هي رسالة العولمة التي بَعث بها الله سبحانه وتعالى رسوله محمدe منذ 14 قرناً من الزمان قبل أن يكتشف خبراء الاقتصاد والسياسة الغربيين المفهوم الجديد الذي أطلقوا عليه مصطلح العولمة، والذي لم ينتشر إلا منذ خمس سنوات فقط.
وإذا كنا نؤيد العولمة في مجالات السياسة والعلوم والتكنولوجيا، فإننا نرفض تماماً العولمة الثقافية، ونطالب كل الشعوب بالتعاون والتعاضد والتحالف ضد من ينادون بالعولمة الثقافية، والذين يريدون فرض لغة واحدة على العالم، وفرض ثقافة واحدة على جميع الشعوب، وكل الأمم لها ثقافتها الخاصة التي يجب أن تحافظ عليها، وتربي الأجيال القادمة على التمسك بها، والمحافظة عليها. وعلى الأمة الإسلامية أن تحافظ على خصوصيتها العربية الإسلامية أمام الهجمات الشرسة التي تريد الهيمنة على عقول الناس جميعا، وتفرض عليهم أسلوب تفكير واحد وكأنهم « روبو » أي إنسان آلي، وكأنما يريدون أن يضعوا هذا الإنسان في قالب واحد أي يستنسخونه ويلغون انفراديته Individualité ليصبح كل الناس على شاكلتهم، وهذا ما يرفضه الإسلام. ويجب أن يتكاتف المسلمون للوقوف ضد هذا الاتجاه المدمّر، لأن الأسس والمبادئ والقيم التي أقرها الإسلام منذ 14 قرناً من الزمان، والمرتكزة على المساواة والعدل والسِّلم والتعاون والالتزام بالمواثيق والعهود والمجادلة مع أهل الكتاب، وعدم الغلو في الدين أو التعصب وعدم المفاضلة بين الناس أو التفريق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو العرقية أو اللغة أو الدين، كل هذه الأسس تَحفظ للإنسان المسلم هويته الإسلامية وخصوصياته الثقافية والحضارية التي يجب عليه المحافظة عليها، بل نشرها وتعريفها للآخرين وخاصة للغربيين وصانعي القرارات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم.
ولعل أبلغ دليل على عالمية الإسلام، هو أنه عاش في قلب أوربا 8 قرون متصلة، وأقام فيها حضارة من أعرق الحضارات التي عرفتها الإنسانية. فما الذي يمنع المسلمون اليوم من التمسك بالخصوصيات الثقافية الإسلامية التي ارتكزت عليها حضارة الأندلس واستمرت لمدة 8 قرون؟. إن ذلك لن يتحقق إلا إذا سارع السلمون لِلِّحاق بالرَّكب للاضطلاع بدور فعّال في المحافل الدولية. إن المجتمع الدولي في حاجة إلى المسلمين، وإلى معرفة خصوصياتهم الثقافية لإثراء التراث العالمي للإنسانية وللتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى في إطار حوار هادف ومستمر ومتميز.
?تحياتي…

[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

[ Contact Forum Admin ]


Forum timezone: GMT-8
VF Version: 3.00b, ConfDB:
Before posting please read our privacy policy.
VoyForums(tm) is a Free Service from Voyager Info-Systems.
Copyright © 1998-2019 Voyager Info-Systems. All Rights Reserved.