VoyForums
[ Show ]
Support VoyForums
[ Shrink ]
VoyForums Announcement: Programming and providing support for this service has been a labor of love since 1997. We are one of the few services online who values our users' privacy, and have never sold your information. We have even fought hard to defend your privacy in legal cases; however, we've done it with almost no financial support -- paying out of pocket to continue providing the service. Due to the issues imposed on us by advertisers, we also stopped hosting most ads on the forums many years ago. We hope you appreciate our efforts.

Show your support by donating any amount. (Note: We are still technically a for-profit company, so your contribution is not tax-deductible.) PayPal Acct: Feedback:

Donate to VoyForums (PayPal):

Login ] [ Contact Forum Admin ] [ Main index ] [ Post a new message ] [ Search | Check update time | Archives: [1] ]


[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

Date Posted: 09:32:23 11/23/00 Thu
Author: الأستاذ محمد عادل التريكي
Subject: أي منظور لمستقبل الهوية في مواجهة تحديات العولمة؟(2)

عصر العولمة :
نستطيع في ضوء هذا التحديد لمصطلح " العولمة " أن نصفَ عصرنا بأنه( عصر العولمة ).
ويمكننا ونحن نستحضر تاريخ القـرن العشريـن الميلادي بين يدي دخول قرن ميلادي
جديد، أن ندرك أن التحولات فيه هي حلقة ثالثة في التحرك الغربي نحو العالمية، سبقتهـا
تحولات ما بعد الحـرب الأولى في نهاية العقـد الثاني من القرن ،وتحولات ما بعد الحرب
العالمية الثانية في النصف الثاني من العقد الخامس من القرن،وفي مقدورنا ونحن نستحضـر
التاريخ الإنساني أن نلاحظ أنَّ هذا التاريخ حَفَلَ بتحرُّكاتٍ نحو العالمية في مختلف عصوره،
عبَّرت عن نزوع الإنسان للسياحة في كوكبنا الأرضي إستجابةً لدعوة خالقه أن يمشي في
مناكب الأرض وينتشر فيها .  هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا
مِن رِزْقِهِ وإِلَيْهِ النُّشُور  .
خطاب العولمة :

تواجه العولمة بخطابها العالم كله بعد أن هدَّت معاقل الأيديولجيا المناهضة لليبرالية
الإقتصادية. ويقول الخطاب الأمريكي: إن العولمةَ ليست مجرد خيارٍ قابلٍ للتبنٍّي والرفضي،
بل هي حتميةٌ لامناصَّ عنها في توجُّه النظام العالمي الجديد، ولاخيارَ للعالم النامي غيرَهـا
إلاخيارَ بقائِه محبوساً في تخلفه. ويضيف هـذا الخطاب: أن العولمةَ هي أقربُ الطريــقِ
وأجداها لتحقيق الحداثة السياسية والإجتماعيةِ والفكريةِ للعالم المتخلف، وهي أنجَـــع
الوسائل لطيِّه بسرعة مراحل التنمية الشاملة، لأنها وحدها الكفيلة بتأهيله إقتصاديا،وبالتالي
فكريا وآجتماعياً. بل يذهب الخطاب إلى القول: إن تغييرَ العالم إلى أفضل مرهون بتطبيقها. وبذلك يأخذ شكلَ الهجوم وإحكام ليِّ الطوقِ على حرية الإختيار، لأن العولمةَ
بمقتضى هذا الخطاب هي السبيل الوحيد إلى تنمية عالم بلا حدود إقتصادية، عالمٌ لايسودُه
إلا قانون السوق، ولأن برنامَجَها وحده الكفيل بتضييق الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء
وبين المجتمعات المتقدمة إقتصادياً والأخرى الطامحة إلى النمو.
ويضيف الخطاب الأمريكي مدلِّلاً على العولمة: أنه لم يعد في إمكان الدول الصغرى أن
تستغلَّ تناقضاتِ الكبار، كما تفعلُ أثناء الحرب الباردة، وبأنَّ الإنفتاحَ السياسِيَّ الـذي
تحقق بين العالم بعضُه على بعضٍ لا ينفصل ُ عن الإنفتاح الإقتصاديِّ. فهُما معاً أساسيان
في مفهوم العولمة، لذلك تربط الولاياتُ المتحدة بينهما ربطاً عضوياً، وترهَن تعاوُنَها مـع
الغير بمدى إحترامِه والتزامِه بالإنفتاحَيْنِ معاً.


  

 إدارة العولمة :

للعولمة إدارةٌ إقتصاديةٌ عالميةٌ تُمارسُها بِحزْم وقُوَّةٍ وبتقنياتٍ عِلميةٍ مؤسساتٌ دوليةٌ على
صعيدِ التنظير والممارسة، أكبرُها: البنك العالمي.. وصندوق النقد الدولي.. ومنظمة التعاون
والتنمية الإقتصادية التي يقال عنها إنها نادي الأغنياء.
وكلُّها تُفَكِّر بالمنطق الأمريكي وتستمدُّ تنظيرَها من نَمط الإقتصاد الأمريكي وتستمـدُّ
تنظيرَها من نمط الإقتصاد الأمريكي الناجح المتوفر على رؤوس الأموال الكبرى القادرة على كسب الرِّهان في مجال تنافس الرأسمال العالمي. وهذه الإدارة هي التي توجِّه سياسة العولمة وتضغط على الدول للعمل بتوجيهاتها.
وهذا يقودُنا إلى القول إن كلَّ شيء يؤهِّلُ الولايات المتحدة لتفُوزَ بقَصَب السَّبق في نظام
العولمة الذي أخذ العالم يعيشه، والذي لايقوَى على المنافسة المحدودةِ فيه بعد الولايــات
المتحدة وبتفاوت. إلا كندَا في أمريكا الشمالية، ومجموعة الإتحاد الأوربي، ومنطقة شرق وجنوب شرق آسيا التي تضم اليابان والصين والتُّنَيْنَاتِ الصاعدة التي تَرْتَدُّ ببصرِهـا إلى
الشرق وتَقْتَبِسُ من النَّهجِ الياباني.

  

 عمل إدارة العولمة :

ويواكب الخطابُ المنهجيُّ المُعَوْلَم حملةً تقنيةً رديفةً تقوم بها المؤسساتُ الإقتصاديةُ الدوليةُ
التي تمثلُ الإدارة التي تعمل بها العولمة، مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي لإسنــاد
الخطاب الأمريكي بتقارير مُعزَّزة بإحصائيات عن الوسائلِ بانتشالِ الإقتصادات الوطنيـةِ
من ركودها أو تَعَثُّرها، وعن الآلياتِ التي يجب على الدول النامية أن تستعملَها لتحـقيقِ
النَّهضةِ الإقتصادية على درب التنميةِ الشاملة ،ومنها ماعُرف ببرامج التقويماتِ الهيكليـة،
والتخصيصِ الشامِلِ، وانحسارِ دَوْرِ الدولةِ الوطنية، وتخلِّيها عن الإنفاقِ على ميـــادين
الرعاية الإجتماعيـة التى تُثْقِل كاَهِلَها في مجالِ التربيةِ والتعليمِ والصحةِ والإعلامِ والبيئـةِ
والتشغيلِ والمنافعِ الإجتماعية،وتحرير الدولة من أعباءِ صندوقِ المِقَاصَّةِ بتركِ الأسعـــار
للتنافُسِ الحُرِّ وقانونِ العرضِ والطلبِ، وتخفيض كلفة المقاولة ،والإلتزامِ باللُّيونةِ والمرونةِ في علاقاتِ الشغلِ.
وهكذا فالعولمةُ بمقتضى هذا الخطاب ديناميةٌ واعدةٌ بمستقبلٍ أرغدَ للبشريةِ، وبفضلِها تستطيع فصائل العالم تحقيقُ التغيير الذي كانت تطمح إليه، والتي كانت تفتقد- قبل التوجه نحو العولمة- وسائلَه وآلياتَه.ويتوجه مُنظِّرو العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية
إلى العالم بهذا الخطابِ دون أن يغفَلوا تركيز الإقتناع لدى شعوبهم أنفسَهـم بحَسَناتِهـا
فالرئيس الأمريكي "بيل كلينتون" يخاطب الأمةَ الأمريكيةَ ويقول:" ستكونُ العولمةُ حظَّ الولايات المتحدة الواعد، ولن تُشَكِّل أيةَ عرقلةٍ لتقدُّمِها، ستقيمُ عالماً جديداً بحدودٍ جديدة يجب توسيعُها، ولن يُشَكِّلَ قيامُ العولمةِ أيَّ تهديدٍ لنا."
ولكن هذا بالنسبة للأمريكيين فماذا عن الآخرينَ؟


  

 إتساع العولمة :

العولمة التي يجري الحديث عنها الآن.. نظامٌ أو نسقٌ ذُو أبعادٍ تتجاوزُ دائرةَ الإقتصـاد
لِتُعَوْلِمَ الإنسانَ في كلِّ مجالٍ، متحديةً قدرةَ خصوصياتِه القوميةِ والفرديةِ على الصُّمـودِ
في وجهِ مدِّها، وواضعةً مناعتَه الذاتيةُ موضعَ إختبارٍ صعبٍ.
على سمع العالم وبصره، وفي غفلةٍ من بعضِ فصائِلِه المهمَّشَةِ تجري عولمةُ القِيَــــم
والأخلاقِ وأنماطِ العَيْشِ ومناهجَ التفكير، وفي ظِلِّ هذه العولمة الشاملة يُرادُ أن تتعولَمَ الهوياتُ والخصوصياتُ كذلك.
إن العولمةَ ذاتُ أبعادٍ سياسيةٍ، واقتصاديةٍ، وثقافيةٍ، وإيديولوجيةٍ. وكان البدءُ بالميــدانِ
السياسي عندما إنخرطَ العالمُ في نظامِ الديمقراطيةِ الغربيةِ الذي أصبحَ لامناصَّ من تطبيقهِ بتقنياتِه مضموناً وشكلاً، مما تعولَمَ معه شكلُ الحكمِ ونوعُ المشاركةِ فيه، وتعولَمت معـهُ
الآلياتُ الموصِلَةُ إلى إفرازِ إقتراعٍ شعبي سليمٍ. وتكفَّلت المنظمات الدوليةُ بعولمةِ القانـونِ
الدولي والشرعيةِ الدوليةِ وحقوقِ الإنسان. وعولمتْ مواثيقُها نُظُمَ الحرب والسِّلم وطرائقِ
التعاون الدولي. وبذلك تعولمت السياسيةُ في أوسعِ معانيها التي تشملُ تنظيماتِ الحكـمِ
وشروط التعاون الدولي والعلاقات الدوليةِ العامة. وأصبحَ المجتمعُ الدوليُّ يَنضبط دقائـقَ
هذه العولمةُ ويتحكم ُ فيها من أصغر مكوناتِه إلى هيأةِ الأممِ المتحدةِ بمرافقِها وعلى رأسها
مجلسُ الأمن.
أما في المجال الإقتصادي فإن عولمةَ الإقتصاد – التي تحدثنا عنها – مَسَّت كلَّ ما يتصل بعيش الإنسان من إنتاجٍ واستهلاكٍ وتوزيعٍ وتبادلٍ .
وفي المجال الثقافي أخذتِ العولمةُ تمسُّ الثقافةَ بمعناها العام ؛أي كل ما يجيشُ به فكرُ الإنسان من تصوراتٍ ونظرياتٍ وممارساتٍ ، وما يخفقُ به قلبُه ويرتاحُ له ضميرُه من تمتعٍ بحريـة الفكر والتفردُ بالخصوصيةِ والشعورُ بالذَّات ،والحوارُ بلغةِ الذَّات مع النفس والنــاس والمشكلةُ المطروحةُ هي الإ تجاه إلى صياغةٍ ثقافيةٍ عالميةٍ ، لها قيمُها ومعاييرُها ،و الغرض منها ضبطُ سلوكِ الدُّول والشعوب .والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافةُ العالميةُ –حال قيامِها وتأسيسِها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية ،مما يهدِّ د هويات المجتمعاتِ المعاصرة ؟
وأخيراً ،وليس آخراً..هناك عولمة إتصالية تَبرز أكثرَ ما تَبرز من خلال البث التلفزيوني عبر الأقمار الإصطناعية ، وبصورةٍ أكثرَعمقاً من خلال شبكة الإنترنت ، التي تَربط البشرَ في كل أنحاء المعمورة.وتدور حول الإنترنت أسئلةٌ كبرى ، ولكن من المؤكَّد أنَّ نشأتَهــا وذيوعَها وانتشارَها ستؤدي إلى أكبر ثورةٍ معرفيةٍ في تاريخ الإنسان.
وهكذا..فبدلاً من الحدود الثقافية،الوطنية والقومية،تَطرح إيديولوجيا العولمة " حدوداً "
أخرى،غير مرئية،ترسمها الشبكاتُ العالميةُ قصدَ الهيمنة على الإقتصادِ والأذواقِ والفكرِ والسلوك .
هل العولمة حتمية ؟

الملجأُ الأخير الذى يلجأُ إليه المنتصرون للعولمةِ هو التَّذَرُّع بالحتمية. فعندما تُعوزُهم الحجة في الدفاع عن العولمة باسم الحرية أو الرفاهية الإنسانية أو الأخلاق أوالجمال أوالعقلانية، يلجأون إلى القول: إن علينا أن نقبلها لأنه لامفرَّ لنا من قُبولها.
وأودُّ أن ألاحظَ على هذه الحجةِ أولاً أنها من نوع مختلفِ تماماً عن الطرق الأخرى للدفاع عن العولمة ولا يجوز أن نَخلط بين هذا وذاك .
فالقول بالحتمية ليس في الحقيقة دفاعاً عن العولمة أو تمجيداً لها، بل هو تعبير عن اليأسِ من أي محاولة للوقوف في وجهها. ولكن فضلاً عن ذلك أريد المجادلة في صحة هذا الموقف اليائس نفسُه .
إنَّ من الممكن جداًّ أن يُشيع الإعتقاد بأنَّ ظاهرةً ما ظاهرةٌ حتميةٌ لامفرَّ منها نتيجةً لمجرد التعوُّد الطويل عليها ، حتى ليستقرَّ في وعي المرءِ أنَّ هذه الظاهرة جزءٌ من طبيعة الأُمور ،ويُصبح من أصعب الأمور تصورُ الدنيا من دونها . ومن هنا تكمُن –في رأيي- الأهمية القُصوى لإِدراك أن العولمةَ ظاهرةٌ محايدةٌ بين الحضارات والثقافات ،أو الإعتقاد بأن الحضارةَ الغربيةَ هي حضارةٌ إنسانيةٌ عامةٌ وليست مجردَ إفرازٌ من إفرازاتِ ثقافاتٍ بعينها ، إنَّ هذين الإعتقادين من شأنهما بالطبع أن يُرسِّخا الإعتقاد بأن العولمةَ ظاهرةٌ حتميةٌ لامفرَّ منها .ولكن من الجائز جداً أن يكون هذان الإعتقادان خاطئين ، فالعولمةُ هي عولمةُ حضارةٍ بعينها ، وهذه الحضارةُ هي بدورها تعبيرٌ عن ثقافةِ أُمةٍ مُعينةٍ أو ثقافةِ مجموعةٍ معينةٍ من الأمم . صحيحٌ أنَّ هذه الحضارة قد توفَّر لها منذ زمن طويل – يرجع إلى ما يَقرُبُ من خمسة قرون – وسائلٌ فعَّالةٌ مكَّنتها من فرض نفسها على أُممٍ أُخرى ،
غيرَ الأمة أو الأمم التي أنجبتها ، ولكنَّ هذا وحده لايجعلها تستحق وصف " الإنسانية " أو "العالمية " ،بالمعنى الذي تُستخدمُ به عادةً هذه الأوصاف ،ولايُزيل عنها خصوصيَتَها. فالإعترافُ بأنَّ حضارةً ما ( أو ثقافةً ما ) قد اكتَسَحَت العالمَ لايعني الإعترافُ بأنها من نتاجِ العالمَ بأسره ، ولايعني الإعتراف بأنها تستحق أن تكتسحَ العالمَ بأَسره ،أو أنها يجب أن تكتسحَ العا لمَ بأسره .
قد نقبل القولُ أنَّ التقدمَ العلميَ حتميٌ، أوحتى إنَّ تطويرَ التقانةِ أمرٌ حتميٌ، إذ كلاهما يُعبر عن نزعةٍ طبيعيةٍ لدى الإنسان للإستكشاف وحبِّ الإستطلاع وتخفيف مايتحمَّلُه من مختلَف صُور العَناء. ولكن قَبولُ هذا أو ذاك كظاهرة حتمية. فمن الممكنِ مثلا، وبسهولة، أن نتصورَ تقدماً في العلم والتِّقانة، من دونِ هدفِ تحقيق أقصى قدرٍ من السيطرة على الطبيعة، أو تحقيقِ أعلى درجةٍ من استقلالِ الفرد، أو أقل درجة من الإيمان بالميتافيزيقا… إلخ. وهذه كُلُّها من السمات الأساسية للتقدم العلمي والتِّقاني الغربي. والزعمُ بغيرُ ذلك ليس إلاَّ إعترافاً بقصورٍ خطير في الخيالِ، بل إنه يتضمن توجيهُ الإهانةِ إلى الجنسِ البشري لأنه يفترضُ أن الإنسان غيرُ قادرٍ على تحقيقِ شيءٍ أفضل من ذلك.
في الفيلمِ المعروف لشارلي شابلن" الجريُ وراء الذهب " [ GOLD RUSH ]مَنظَرٌ شهيرٌ، يظهرُ فيه "شارلي شابلن" مع رجلٍ سمينٍ جشِعٍ في كوخٍ صغيرٍ في أعلى الجبلِ، وقد منَعَتْهُما عاصفةٌ ثلجيةٌ من الخروج. كاناَ قدِ آستبدَّ بهما الجوعُ، إذ لم يكونا قد تناولا الطعامَ لعدةِّ أيامٍ، وليسَ أمامَهُما من وسيلةٍ للعثورِ على أيِّ طعامٍ بسببِ العاصفةِ الثلجيةِ. بعد ذلك المنظرُ الشهيرُ الذي يحاولُ فيه "شارلي شابلين" أن يطْهُوَ حذاءهُ ويشرعَ في أكلِ الحذاءِ بالشوكةِ والسكين، نرى منظرَ زميلهِ السمينُ وهو ينظر إلى شارلي شابلن لم يرهُ كإنسانٍ، بل رأى فيه دجاجةٌ تنتظرُ الذَّبحَ. كان الجوعُ قد وصلَ بالرجُلِ إلى مدى لم يُسمح له بأن ينظر إلى شارلي شابلن دون أن يراه كدجاجة.
هذه بالضبط هي الإيديولوجيا : كيف ترى الأمور؟
ولايمكن أن يقنِعني هذا الرجلُ مهما فعلَ بأَن شارلي شابلن هو في الحقيقةِ دجاجةً وليس رجلاً. كذلك لن يُقنعني أنصارُ الحضارة الغربية مهما قالوا إن طريقةَ نظرِهِم إلى الأمورِ هي الطريقةُ الوحيدةُ الممكنةُ. إن الذين يقولون إن العالمَ الآن قد هجرَ الإيديولوجيا إلى الأبد ولم يعد هناك إ لا منطقُ السوق والإقتصادِ والتِّقانة، يقولون لنا شيئاً شبيهاً جداً بِزعمِ هذا الرجلُ في فيلم ( الجري وراء الذهب )، وهو أن شارلي شابلن ليس إلا دجاجة ، كذلك رجل الأعمال الذي إذا اصْطَحَبْتَهُ إلى مكانٍ جميلٍ على شاطئِ البحرِ، فإذا به يقول لك: إن هذا مكانٌ رائعٌ لإقامةِ فندقٍ بخمسِ نجومٍ.. أو إذا اصطحبتَه إلى تايلاند وصادفتُما في الطريق فتاةٌ جميلةٌ في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرِها، قال لك: إن هذه الفتاةُ يمكن أن تُصبحَ مصدراً رائعاً للربح لو استخدمت في بيتٍ للدعارة. هذا هو مايزعُم أنه ثقافةٌ أو حضارةٌ من المحتَّم لها أن تكتسحَ العالمَ، لأنها ثقافةٌ أو حضارةٌ محايدةٌ، تعبر عن نوازعِ الإنسانية جمعاء.
من السماتِ الخاصةِ بهذه الحضارةِ أنها حضارةٌ تفكِيكِيةٌ فكَما يريدُ الرجلُ في فيلم (الجريُ وراء الذهب) أن يفعلَ شارلي شابلن، تعتمدُ الحضارةُ الغربيةُ إلى تفكيكِ كلُّ شيءٍ إلى عناصره الأولى. وهو مسْلَكٌ حميدٌ إذا كان الغرضُ معرفةِ العناصرِ التي يتكونُ منها الشيءُ، أو إذا كان الغرضُ هو صُنع آلةٍ أو زيادةِ كفاءَتِها الإنتاجيةِ، أو مايسمى بالسيطرةِ على الطبيعة، ولكنه قد يكون مسلكاً خطيراً ومُضراًّ إذا طبقَ على الأشياءِ الحيةِ كالإنسانِ أو الأسرةِ أو الأمة، فهو قد يسمحُ فعلا بمزيد من السيطرة على الإنسان والأسرة والأمة، ولكن هذا ليس بالضرورة أفضلُ الأغراضِ طُرًّا، فلكي يسيطرَ المنتجُ على المستهلكينَ ويحوِّلهم جميعاً إلى دجاجةٍ يسهل التهامُها، من المفيد فعلاًتفكيكُ الفرد من أسرته ومن أمَّته ومن بيئتِه، باسم الفردية مرةً وباسم الحريةِ الشخصية مرة، وباسم التنوير مرة ، وباسم النِّسوية وتحرير المرأة مرة. وهذا كلُّه يصوِّر لنا على أنه نِتاجُ حضارةٍ إنسانيةٍ عامةٍ يلتزمُ الجميعُ باتِّباعِها لأنها تستجيبُ لنوازعٍ طبيعيةٍ في الإنسان. ومن ثمَّ فإنَّ انتشارَها حتميٌ لابدَّ منَ الخضوعِ لهُ إن عاجلاً أو آجلاً. وأنا أزعُمُ، على العكس، أنَّ كثيراً مما تعملُ هذه الحضارةُ على نشره، يتعارضُ تعارضاً صارخاً مع بعض من أقوى النوازع الطبيعيةِ في الإنسان، وأن تفكيكَ الإنسانِ علىهذا النَّحو ينطوِي على عمليةٍ أشبهَ بالقتل.
ثم إنَّ ظاهرةً ما قد تكونُ حتميةٌ بالنسبةِ إلى شخصٍ معينٍ أو أمةٍ بعينها من دون أن تكون بالضرورةِ كذلك بالنسبةِ إلى شخصٍ آخرَ أو أمةٍ أخرى. قد يكونُ انتشارُ هذه الحضارةُ وزيادتُها رُسوخاً، ظاهرةٌ حتميةٌ بالنسبة إلى الأممِ التي ابْتدعتْها أصلاً، لأسبابٍ تتعلق بصفاتٍ خاصةٍ في ثقافةِ هذه الأممُ أو ظروفها الطبيعيةِ أو مِزاجِها الخاص، ومن ثَمَّ قد يكون إنتشارُها وازديادُها قوةً ورسوخاً في أوربا الغربية، ثم في الولايات المتحدة، مثلاً ظاهرةً " حتميةً " حقاًّ، على النحو نفسه الذي يُمكن به أن نعتبِرَ نموُّ الولدِ ليصبحَ رجلاً ظاهرةً حتميةً أيضا.وقد يقالُ مثلُ ذلك، ولكن بدرجةٍ أقل، عن انتشار هذه الحضارة في أمريكا الاتينية مثلاً، أو أوربا الشرقية. ولكنه قد يكون أقلُّ حتميةً بالنسبة إلى روسيا الآسيوية، أواليابان، التي لم يُتِمَّ تركيعُها تماماً حتى الآن. وقد لايكون الأمرُ حتمياً على الإطلاق بالنسبة إلى ثقافاتٍ مُغايرةٍ تماماً، كثقافةِ الصين أو الهند أو العرب. لاعجبَ من أن الصين تبدو وكأنها تحاولُ إبتداعَ شيء مختلفٍ عماَّ فَعَلَتْه اليابان مثلاً مع الحضارة الغربية، ولاعجبَ من أن " غاندي " في الهند كاد ينجح في ابتداع شيء مختلفٍ تماماً عن الحضارة الغربية. ولاعجبَ من أ نَّ العربَ يُبدون هذه الدرجةِ العاليةِ من المقاومةِ للحضارةِ الغربيةِ والسوقِ الشَّرق أوسطيةِ، مقاومةٌ قد لايرى فيها بعضُهم إلا إصرارًا على التخلُّف، ولكن من الممكن أن نرى فيها صُموداً جديراً بالثناء والدعم.
كذلك فإن إعتبارَ ظاهرةُ العولمة حتميةٌ قد لايكون في الحقيقة أكثرَ من اعترافِ المرءِ بأنَّه لم يَعُد لديه طاقةٌ باقيةٌ للمقاومة، أي أنه قد نَفَدَ جُهدَه وأصبح مستعِدًّا للتسليم. فإذا كان هذا هو إختيار بعضهم، فهو ليس مُلزماً لغيرِهم، ومن الظلم على أيِّ حالٍ أن يوصفَ بالحتميةِ إختيارٌ لايعكسُ إلانفاذِ الطاقةِ أو استعجَالِ المكافَأةِ. وهو موقفٌ ظالمٌ لأنه يحملُ عِدَّةَ أجيالٍ قادمةٍ عِبْءَ فشلِ جيلٍ بعينه. فاعتبارُ ظاهرةٍ ما حتميةٌ يتوقَّفُ أيضاً على المدى الزمني الذي يأخُذُهُ المرءُ في اعتبارِه. فقد يكونُ موضوعُ الهزيمةِ والتسليمِ أمراً حتمياً فعلاً بالنسبة إلى جيلِ آبائِناَ وأجدادِناَ ولكنه ليسَ بالضرورة حتمياً لجيلِناَ وجيلِ أولادناَ وأحفادِنا. لقد إرتكبَ "كمال أتاتورك" مثلاً هذا الخطأ في تركيا، باستعجاله التسليم وإعلان الهزيمة أمام حضارة الغرب، ولازالَ أحفاده حتى اليوم يحاولون إصلاحَ الخطأ الذي ارتكبَه.
ولكن، فلنفرض أننا قررنا المقاومةَ: مقاومةُ العولمة والشرق أوسطية، فإن مما يجدُر بنا أن نُحدِّرَ من الوقوع فيه هو أن نعتمدَ في هذه المقاومة على شيءٍ تمَّت عولمتُه بالفعل، وأقصد بذلك الدولة. إن الداعينَ إلى الصمودِ أمام تيارِ العولمة، وإلى مقاومة الشرق أوسطية، التي هي في نظري صورةٌ من صُوَرِها صيغت خِصيصًّا لمِنْطَقَتِنا العربية، يقعون في خطأِ الإِعتقادِ بأنَّ الذي يُمكنُ أن يُدَعِّمَهم في هذا الصمودِ هو دَوْلَتُهم، مع أن دَولَتَهم قد تمَّ إسْتِسْلاَمُها وجرتْ عولمتُها مندُ زمنٍ. إنَّ المعارضةَ العربيةَ لآتجاهاتِ العولمةِ والشرق أوسطيةِ لازالت تُوجِّه الخطاب للدولة، فَتَسْتَجْدِيها مرةً، وتنتقدُها مرةً، وتمتدحُ موقفاً إتخذَتْه ببعضِ سماتِ الشجاعة مرة، من دون أن تريدَ رؤية دُوَلِناَ قد أفصحت بأبلغ بيان ووضوح عن أنها قد انضمَّت بالفعل إلى معسكرِ العولمة. ألاَ تبدو مخاطبتُنا لها إذَن كَمضْيَعَةٍ للْوَقتِ ؟ إننا مستمرون في اعتقادنا الخاطئ بأن الدولةَ لازالت دولةٌ محايدةٌ، وكأننا نستعذبُ هذا الإعتقاد لأننا نريدُ أن نتجنبَ أعباءَ مواجهة الحقيقة، فنستمرُّ في معاملةِ الدولةِ وكأنها دولةٌ محايدةٌ بين الطبقاتِ، بينما الأصْوبُ أن نعترفَ بأن الدولة في مِنطقتِنا العربيةِ قد أصبحتْ في الواقع، وللأسف، من أكثرِ أدواتِ العولمةِ فعاليةً ونشاطاً.
العولمة:جدل العدوان والمقاومة الثقافيين :

ليس صحيحا أن العولمة الثقافية هي الإنتقالُ من حِقبةِ –ومن ظاهرةِ- الثقافاتِ الوطنيةِ والقوميةِ إلى ثقافةٍ عُليا جديدةٍ هي الثقافةُ الكونيةُ، على نحوٍ ما يدَّعي مُسَوِّقُو فكرةِ العولمةِ الثقافيةِ، بل إنها – بالتعريف – فعلُ إغتصابٍ ثقافيٍّ وعدوانٍ رَمزي على سائرِ الثقافات. إنها رديفُ الإختراق الذي يجري بالعنف – المسلح بالتِّقاَنة – فينهَدِرُ سيادةُ الثقافةِ في سائرِ المجتمعاتِ التي تبلُغُها عمليةُ العولمة. وإذا كان يحلو لكثيرينَ أن يَتَحَذْلَقُو بإِفراطٍ في الرَّدِّ على هذا الفهمُ للعولمةِ الثقافيةِ، فيرجُمُونَه بتُهمةِ الإنغلاقِ الثقافي أمام تياراتِ العصرِ. والدعوةِ إلى الإنكفاءِ والتَّشَرْنُقِ على الذاتِ ( والهوية، والأصالةِ، ومشْتقاتِهما … ) .
وإذا كان يحلو لهم أن يُعيدوا على أسماعنا مواويلَ الإنفتاحِ الثقافي غير المشروطِ على "الآخر" للإنتهالِ من موارِدِه ومُكْتَسَباتِهِ وكُشُوفِهِ المعرفيةِ… إلخ . فإنه يَطِبُ لنا أن نُلفِتَ إنتباهَهُم إلى وجوبِ وعي الفارقِ بين التَّثاَقُفِ والعُنفِ الثقافي من جانبٍ واحدٍ.
يعني الأولُ الإصغاءَ المتبادَلَ من سائر الثقافاتِ بعضِها إلى بعضِها الآخرِ، كما يعني الإعترافَ المتبادَلَ بينها، ومنه الإعترافُ بحقِ الإختلافِ وهو من أقدسِ حقوقِ الإنسانِ، فيما لاينطوي الثاني سوى على الإنكارِ والإقصاءِ لثقافةِ الغيرِ. وعلى الإستِعلاءِ والمركزيةِ الذاتيةِ في رؤيةِ ثقافتِه. يرادف الأولُ معنى الحوارِ والتفاهُمِ، بينما يتلازمُ معنى الثاني مع الإكراه والعدوان. أما الأهمُّ في الأمرِ، فهو أن التَّثاقُفَ يجري بين الثقافاتِ على قاعدةِ النِّدِّيةِ، وهو ما يمتَنِعُ دون إعتبارِ أيَّةِ ثقافةٍ لشخصِيَتِها وحُرمتِها الرَّمزِية، فيما لايُعبِّر فعلُ الإختراقُ والتجاوُبُ معه سوى عن دونيةٍ يأباَها أيُ انفتاحٍ وأيُّ حوارٍ، هذا درسٌ بدائيٌ من دروسِ الأنتروبولوجيا الثقافيةِ المعاصرةِ حريٌ بدعاةِ الإنفتاحِ أن يقرأوه قبل أن يفْتَتِحُوا طقوسَ التبشير.
أيُّ اختراقٍ ثقافي هذا الذي نعنيه… أو ماذا يُمكنُها أن تكونَ تلكَ العولمةَ الثقافية إن لم تكن صناعةٌ لثقافةٍ عالميةٍ جديدةٍ.؟
ليست العولمة تلك – في مفهومنا- سوى السيطرةُ الثقافيةُ الغربيةُ على سائرِ الثقافات، بواسطة إستثمارِ مكتسباتِ العلوم والتِّقانةِ في ميدانِ الإتصال. وهي التَّتويجُ التاريخِيُّ لتجربةٍ مديدةٍ من السيطرة بدأت مند إنطلاق عملياتِ الغزوِ الإستعماري مند قرونٍ، وحقَّقت نجاحاتٌ كبيرةٌ في إلحاقِ التصفيةِ والمسخ بثقافاتٍ جنوبيةٍ عديدةٍ . وبخاصة في إفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية. ولعلَّ هذا ما يؤكدُ من أنَّ العولمةَ لاتُؤرخ لنهاية عصرِ الدولة القومية، بل تُعلن عن ميلادِ حقبةٍ جديدةٍ من تمدُّدِها المستمر، وليس مايُدعى بالعولمةِ الثقافيةِ اليوم، إلاَّ مظهراً من مظاهرِ تلك التَّمدُّد خارج الحدودِ، الذي هو آليةٌ طبيعيةٌ في نظام إشتغالِ الدولةِ القوميةِ الحديثةِ.
على أن هذه السيطرةُ الثقافيةُ الغربية العامة تنطوي –في داخلِها- على علاقةٍأخرى من السيطرةِ تجعل ثقافات غربية عديدة في موقع تبعيٍّ لثقافةٍ أقوى تتمدَّدُ أحكامُها على امتدادِ سائر العالم. أما هذه السيطرةُ التي نعني، فهي التي يُمكنُنا التعبير عنها بعبارة " الأمْرَكَةُ "
"A mericanisation " والعولمةُ – في ما نزعم – هي الإسمُ الحركيُّ لها . ليست الأمْركَة أسطورةٌ جديدةٌ من أساطيرنا السياسية . ولاهي شماعة نُعلق عليها إخفاقاتِها وعجزِنا، بل هي حقيقةٌ ماديةٌ تعيشُها أوروبا نفسها، وتحتَجُّ عليها، وتُنظِّمُ مقاوَمَتَها ضدَّها. وتَعتَبِرُها خطراً إستراتيجِياً يهدِّد إستقلالَها الإقتصادي والسياسي وهُويتَها الثقافية. وقد تكون مُقاوَمَةُ فرنسا لها – بمناسبةِ مفاوضاتِ " الغاَت " – ودِفاعُها عماَّ باتَ يُعرف باسم الإستثناءِ الثقافي. أسطعُ دليلٍ على وُجودِها وعلى مخاطرِها ، وهي –للتذكير- مقاومةٌ حقيقيةٌ وشرِسَةٌ وليست مسرحية سياسيةٌ للضحِك على ذُقونِ أهلِ العالم الثالث.
إستنتاج :

من خلال ما سبق نستنتج ما يلي :
 العولمة تدعو إلى تجاوز الهوية القومية ( الدين .. اللغة .. الأرض..التاريخ ).لصالح "هوية" أوسع. هوية كونية .فماذا يفعل الذين ما يزالون يسألون مَن نحن ؟. ماذاسيصنع الذين يدخلون القرن الواحد والعشرين بدون هوية ، أو بدون ( إنية ) واضحة.
 العولمةُ في بُعدها الإقتصادي، تعني هيمنة الشركات الإقتصادية، والمؤسسات المالية الكبرى واحتكار الأسواق، ومصادر الغِنى والثَّراء المادي، من طرف الأقوياء . وتسخير الضعفاء لخدمة التوجه الإقتصادي الليبرالي والأمريكي بامتياز. فما مصير الدول الضعيفة ، والتي ما تزال تبحث عبثاً عن تنمية مُستديمة ، دون جدوى؟ ما مصير دول ضعيفة معزولة متخلفة، أمام زحف تكَثُّلات إقتصادية ضخمة لاترحم ؟.
 والعولمة في بُعدها السياسي مرة أخرى، تعني من ضِمن ما تعنيه المزيد من الدَّعم والتَّمكين للمشروع الصَّهيوني الإستيطاني . فما يصنع الذين ما يزالون يجادلون حول كينونة (إسرائيل) ، وضرورة مواجهتها، أم لا، وكيفية ذلك ؟.
هكذا هي العولمة، وغير العولمة، مما سيصنعه الأقوياء، الذين لن يتوقفوا عن إثبات زعامتهم، وتأكيد ريادتهم ، وأستاذِيتهم على الآخرين. وسيبقى على المتخلِّفين ، والمتردِّدين، والتابعين، أن يسجلوا قوميتهم الحقيقية، أو يُوقِّعوا موتهم التاريخي الأخير.

  
الخاتمة:
وسأختم حديثي هذا، بالعودة مرة أخرى إلى الجواب عن سؤالي، بالسَّلب، أي أنه ليس في استطاعة العولمةِ أن تقضي على هُوية الناس، بل إن الأمرَ على العكس من ذلك، فإنه بمقدارِ ما يشعُر المرءُ بأن هناك جهةٌ ماَ تقصد إلى النَّيل من ماضيه والإجهاز على شخصيته وهدْرِ كرامتِه، هناك يأخد في البَحثِ عن جُذورِه وأصولهِ، وهناك تتكاثفُ جهوُده ليعبِّرَ عن حُضورِه وَوُجودِه بكلِّ الوسائلِ التي يمْتَلِكُها .
رأينا هذا رؤْياَ عينٍ في بعضِ مُهاجِرينا إلى الخارج مِمَّن كُنا نعتقد أنهم إبْتُلِعوا ورَاحوا، ولكناَّ لم نَلبث أنْ سمِعْناَ هؤلاء أنْفسَهم يطرقون علينا البابَ ليسألوا عن ماضيهم.. وأخشى ما نخشاه من محاولة العولمةِ هدرَ الهُوية، أن يتنبَّه أصحابُ الهويات إلى ما يُحدَق بهم، وهناك تكون المواجهةُ على أشَدِّها بين الهُويةِ والعولمة .. هذه المواجهةُ التي سوف لاتنتهي إلا باحترامِ العولمةُ الهوية، واعتراف الهوية بجدوى التعاون في إطار العولمة.
ويمكن القول إنه في الفترة الأخيرة فقط، بدأت تباشيرٌ للدراسات الجادة الرصينة للعولمة وتأثيراتِها في الوطن العربي، وربما تكون محاضرتُنا هذه علامة على طريق الفهم المُتعمق لظاهرةٍ مُعقَّدة ومركبة، ويمكن في ضوءِ هذا الفهمِ صياغةً إستراتيجياً عربيةً وقوميةً، لا للمواجهة الرافضةِ رفضاً مطلقاً، ولكن للتفاعل الحي الخلاَّق، ولكن هل تسمحُ بهذه الإرادة السياسية العربية القومية ؟ هذا هو السؤال، وهو صلبُ الأزمة الراهنة في الوطن العربي .

[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]


Replies:


[ Contact Forum Admin ]


Forum timezone: GMT-8
VF Version: 3.00b, ConfDB:
Before posting please read our privacy policy.
VoyForums(tm) is a Free Service from Voyager Info-Systems.
Copyright © 1998-2019 Voyager Info-Systems. All Rights Reserved.