VoyForums
[ Show ]
Support VoyForums
[ Shrink ]
VoyForums Announcement: Programming and providing support for this service has been a labor of love since 1997. We are one of the few services online who values our users' privacy, and have never sold your information. We have even fought hard to defend your privacy in legal cases; however, we've done it with almost no financial support -- paying out of pocket to continue providing the service. Due to the issues imposed on us by advertisers, we also stopped hosting most ads on the forums many years ago. We hope you appreciate our efforts.

Show your support by donating any amount. (Note: We are still technically a for-profit company, so your contribution is not tax-deductible.) PayPal Acct: Feedback:

Donate to VoyForums (PayPal):

Login ] [ Contact Forum Admin ] [ Main index ] [ Post a new message ] [ Search | Check update time | Archives: [1] ]


[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

Date Posted: 08:05:33 11/28/00 Tue
Author: الأستاذ محمد عادل التريكي
Subject: الهوية والعولمة من منظور حق التنوع الثقافي في ضوء فلسفة حوار الأديان والحضارات











حضرات السادة والسيدات الكرام.
ما العولمة ؟ هل هي مذهب فكري جديد ؟ أم العولمة نظام سياسي عالمي أفرزته المتغيرات الدولية والمناخ السياسي العالمي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بعد سقوط حائط برلين، وتوحيد ألمانيا، وانهيار الاتحاد السوفياتي ؟
رجعت إلى معجم ( ويبشرز webster s)، فوجدت فيه أن العولمة( Globalisation ) هي إكساب الشيء طابع العالمية، وبخاصة جعل نـطاق الشـيء أو تـطبـيـقه عـالمـناTo make global. Esp :to make worldwide in scope or application) ) ولكني ألفيت أن هذا المعنى شديد البراءة بالغ الحيدة، لا ينسجم في عمقه مع دلالة اللفظ ومفهوم المصطلح، كما يشاع في العالم اليوم.
إن المفهوم السياسي والثقافي والاقتصادي للعولمة، لا يتحدد بالقدر اللازم، إلا إذا نظرنا إليه من خلال رؤية عامة تدخل في نطاقها جميع المتغيرات السياسية والثقافية والاقتصادية التي يعيشها العالم منذ مطلع التسعينات.
فالوعي بطبيعة المرحلة التاريخية التي تبلورت فيها فكرة العولمة، أو نظام العولمة. يفتح أمامنا السبيل إلى تحديد المعالم الرئيسية لما يمكن أن نسميه ( هوية العولمة ).
ولعلنا بالرجوع نصف قرن إلى الوراء، إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، نجد أن من المفاهيم والنظريات السياسية الجديدة التي ظهرت عهدئد. نظرية ( ملء الفراغ )، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، أو بعبارة أدق في المنطقة العربية.
وكان هذا المفهوم يقوم على أساس أنه باستجاب بريطانيا من المنطقة العربية، كإحدى النتائج التي أسفرت عنها الحرب، فإن هذه المنطقة باتت في حالة فراغ، وأنه لا بد للقوة الجديدة التي كان لتدخلها في الحرب الأثر القوي في انتصار الحلفاء، من أن تملأ هذا الفراغ، وأن هذه القوة الوليدة صارت هي الأحق بهذه المنطقة، وبمناطق أخرى من العالم، تمارس عليها سيادتها، إن لم تكن السيادة القانونية المباشرة، فلا أقل من أن تكون السيادة الفكرية والثقافية، والهيمنة السياسية والاقتصادية.
وإذا عدنا إلى عصرنا الراهن، وبالتحديد إلى فترة أوائل التسعينات نجد أن نظرية ( ملء الفراغ ) التي فرضت على مسرح الساحة الدولية قبل خمسين سنة، قد أعيدت صياغتها بما يتلاءم ومقتضيات الوضع العالمي الجديد، وفي شكل ينسجم مع التطورات العاصفة التي عرفها العالم، والتي لا يزال يعرفها إلى اليوم، وبما يستجيب لتطلعات القوة التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة. فهل لنا أن نعد فكرة العولمة، أو نظرية العولمة، طبعة جديدة من نظرية ملء الفراغ ؟
إن هناك سؤالا محوريا آخر يفرض نفسه في هذا السياق، وهو: هل تؤدي العولمة إلى الانتقاص من سيادة الدول، وتجاوز اختصاصاتها، والتأثير على استقلالها الوطني ، والمساس بحقها في اتخاذ قراراتها؟ أو بصيغة أخرى. هل العولمة تلغي وظيفة الدولة الوطنية ذات السيادة الكاملة وفقا لما هو مقرر في القانون الدولي ؟
إن العالم يعرف شكلا من أشكال العولمة يتمثل في وجود قوى دولية – غير الدول – تشارك بصورة مباشرة في السياسة العالمية، عبر قنوات متعددة تصل المجتمعات بعضها ببعض، وفي شكل علاقات غير رسمية تقوم بين نخب غير حكومية، وبواسطة منظمات عابرة للقوميات، كالمنظمات الدولية والشركات والبنوك متعددة الجنسيات، تلعب دورا مهما في تلك العلاقات .
ويتكامل هذا الشكل من أشكال العولمة من النظام العالمي الذي استقر في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بإنشاء منظمة الأمم المتحدة والمنظمات والمؤسسات والوكالات المترعة عنها والعاملة في إطارها. فهذان نمطان للعولمة، يخلوان من الهيمنة والسيطرة وفرض النفوذ الواسع بدعوى الانفراد بالقوة المتفردة، وقد عاش المجتمع الدولي في ظل هذين النظامين ما يزيد عن أربعة عقود، إلى أن تغيرت الخريطة السياسية العالمية، وظهرت القوة الأكبر التي انفردت بزعامة العالم، واستتبعت انفرادها هذا بغرض نظام للعولمة يحقق لها مصالحها.
وإذا كان النظام الدولي الذي أخذ في التبلور والتشكيل في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، قد انتهى إلى إيجاد صيغة للتعامل على المستوى العالمي تقتضي بإخضاع العلاقات الدولية في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، إلى نظام ذي طابع عالمي، أو إلى إكساب العلاقات الدولية الطابع العالمي، وهو ما يصطلح عليه بالعولمة، فإن المصالح المشتركة للشعوب والحكومات لن تتحقق في إطار هذا النظام بتجاوز هويات الأمم والشعوب، أو بمحو خصوصياتها الثقافية والحضارية، حتى ولو كان وراء ذلك كله. قوة باطشة وإرادة قاهرة.
وأيا كانت الأسباب وراء طبيعة العلاقات بين الدول. فإن هناك اتفاقا بين الدارسين على أن هذه العلاقات تنطوي على ( صراع لا ينتهي على القوة ومن أجل المصالح ) ومن هنا فإن السعي وراء القوة هو الهدف الحقيقي للدول. ولكن على أساس ما يعرف في العلوم السياسية، وفي الفلسفة الاجتماعية السياسية تحديدا، بنموذج (الاعتماد المتبادل) الذي يؤكد على الأبعاد التعاونية في الطبيعة الإنسانية وفي العلاقات بين الدول. وهذا النموذج يستند إلى قوى التعليم والتفاعلات الثقافية والتنمية الاقتصادية والتجارة الدولية والتقدم التكنولوجي، لكي يعزز إمكانات السلام الدولي والكرامة والحريات الإنسانية. وهذا النموذج يرى العالم على أنه يمثل( مجتمعا) من الدول التي تتفاعل غيما بينها على مستوى عال له ديناميكيته الذاتية في مجالات التبادل الديبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي.
ولذلك فإن العولمة لا يمكن أن تكون بحال نقيضا للهوية، ولن تكون بديلة عنها، والعولمة بهذا المفهوم، وفي هذه الحدود،وفي إطار التنوع الثقافي وازدهار هويات الشعوب، وفي ظل الحوار الراقي الهادف بين الأديان والحضارات، هي الخيار الإنساني المتاح والمفتوح أمام مستقبل البشرية. وهو الأمر الذي سيؤدي بالتتابع وبتراكم التجربة، إلى تعميق الاحترام المتبادل بين الجميع.
إن التسامح أمر لا غنى عنه للعلاقات السلمية في أي مجتمع. وعندما يتحول التسامح إلى احترام متبادل، وهي صفة أكثر إيجابية، فإن نوعية العلاقات ترتقي بشكل واضح، ومن ثم فإن الاحترام المتبادل يشكل أساسا لإقامة مجتمع إنساني تعددي، وهو نوع المجتمعات الذي يمثله الحوار العالمي ذاته، لا يتميز بالاستقرار فحسب، بل باحترام تنوعه الذي يغنيه.
وإذا فقدت نظرية العولمة هذا العنصر الإنساني . وعدت هذا الأساس الأخلاقي، كانت إلى الإيديولوجية الشمولية أقرب منها إلى النظام القانوني القابل للتطبيق لصالح البشر كافة.
إن النظام القانون الدولي، واستمد من روح الإنسانية وقيمها، مبررات وجوده وعناصر بقائه واستمراره، أي أن العولمة ذات النفع العام، لا بد وأن تكون محكومة بقوة القانون الدولي الذي يكفل للدول سيادتها كاملة غير منقوصة، وللإنسان حقوقه موفورة غير مهضومة.
وهذا يقتضي العمل بأحكام القانون الدولي، خاصة المادة الثالثة عشرة من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، والإعانة على تحقيق الإنسان والحريات الإنسانية للناس كافة.. والمادة الثالثة والسبعين التي تؤكد على كفالة تقدم شعوب العالم في شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم، ومعاملتها بإنصاف وحمايتها من ضروب الإساءة. كل ذلك مع مراعاة الاحترام الواجب لثقافة هذه الشعوب.
إن حماية حق التنوع الثقافي تقتضي بتنمية التعاون الدولي في ميادين التربية والعلوم والثقافة، في إطار العهود والمواثيق والاتفاقيات القائمة التي تحكم عمل المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية، وفي الوقت نفسه، فإن ممارسة حق التنوع الثقافي على مستوى العالم، لن تتم إلا إذا انتعش الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ونما وتطور، وأدى هذا الحوار إلى ترسيخ قيم التوافق والتعاون والتعايش بين أتباع الحضارات، وإلى تدعيم التعاون الدولي في إطار المنظمات الدولية والإقليمية القائمة، والتي تشكل في حد ذاتها المنظومة العالمية التي تجتمع حولها الشعوب والأمم والدول والحكومات، والتي يتوافق عليها أتباع الأديان والثقافات والحضارات.
وهكذا يصير الحوار المفضي إلى التفاعل الحضاري، فعلا إنسانيا مؤثرا في حركة التاريخ، وعنصرا مساعدا على استتباب الأمن والسلام على الأرض، وقوة دفع الاستقرار الحياة الإنسانية، ولازدهارها، ولترقيتها.
إننا من واقع حرصنا على التشبث بالهوية الحضارية وحماية الشخصية الثقافية لشعوبنا، لا نريد حوارا وتفاعلا بين الثقافات والحضارات لا تكون لهما انعكاسات على الواقع المعاصر، ولا تصل آثارهما إلى دوائر صنع القرار، ولا نريد حوارا وتفاعلا بين الثقافات والحضارات، ينطلقان من الإحساس بالتفوق العنصري، وبالاستعلاء الحضاري، ويصدران عن روح الهيمنة الثقافية.
إنه ينبغي أن يكون هدفنا الرئيسي من السعي إلى إقامة الحوار الذي ينتج عنه التفاعل الحضاري بين أهل الثقافات والحضارات، ومن هذه المنطلقات تحديدا، هو إشاعة قيم التسامح بالمعنى الراقي للتسامح، كما يفهمه المؤمنون بالله، والمؤمنون بوحدة الأصل الإنساني، وبوحدة المصير الإنساني أيضا وإلى ترسيخ الهوية الثقافية والحضارية.
لقد أضحى الحق في التنويع الثقافي اليوم قاعدة من قواعد القانون الدولي وذلك استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة والعهود والاتفاقات التي تحكم علاقات التعاون الثقافي بين المجموعة الدولية. وفي كفالة هذا الحق من حقوق الإنسان، تأكيد على الخصوصية الثقافية لكل شعب من شعوب العالم، وإبراز للهويات الوطنية ذات السمات الحضارية التي تشكل في مجموعها الهوية الإنسانية العامة القائمة على أساس وحدة الجنس البشري، ووحدة الصفات المشتركة التي أودعها الخالق البارئ الطبيعة الإنسانية.
جاء في المادة الأولى من إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي :
1. » لكل ثقافة كرامة وقيمة يجب احترامها والمحافظة عليها.
2. من حق كل شعب ومن واجبه أن ينمي ثقافته.
3. تشكل جميع الثقافات، بما فيها من تنوع خصب، وبما بينها من تباين وتأثير متبادل، جزءا من التراث الذي يشترك في ملكيته البشر جميعا«.
وليس في تنوع الهويات وتعدد الخصوصيات ما يتعارض وقضاء المصالح المشتركة بين الشعوب والأمم في إطار التعاون الإنساني القائم على قاعدتي التعارف والتعايش وإنما ينطوي هذا النوع على عناصر تغذي الميول الإنسانية الفطرية نحو امتلاك أسباب التقدم والرقي بحافز من التنافس الطبيعي، وبوازع من التدافع الحضاري.
وما دامت الهوية بهذا الرسوخ في طبائع الأمم والشعوب، فلا سبيل إلى تجاوزها، أو انصهارها في بوثقة هوية واحدة مهينة ذات سيطرة ونفوذ، مهما تكن الذرائع، وبلغت الأسباب والدوافع، فليس في ذلك فقط خروج على طبيعة الأشياء، وتمرد على سنن الكون وفطرة الحياة، وإنما في محاولة إلغاء هويات الشعوب بالقصر والقسر والإكراه، خرق للقوانين المتعارف عليها عند البشر،ومسٌّ خطير بقواعد القانون الدولي،وتهديدٌ للأمن والسِّلم والاستقرار في العالم .
إن فهمنا للهوية ينبني على تراثنا الحضاري فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيار من النواحي كافة ولفظ الهوية يطلق على معان ثلاثة الشخص ..والشخص نفسه .والوجود الخارجي .وجاء في كتاب الكليات لأبي البقاء الكفوي أن ما به الشيء هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتا وباعتبار تشخصه يسمى هوية وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية وجاء في هذا الكتاب أيضا أن الأمر المتعقل من حيث إنه مقول في جواب (ما هو)يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية .
والهوية عند " الجرجاني" في (التعريفات):" الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق".
وتستعمل كلمة الهوية في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة، Identité التي تعبر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله .
وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون ،فالهوية هي حقيقة الشيء ،أو الشخص المطلقة ،المشتملة على صفاته الجوهرية ،والتي تميزه عن غيره ،وتسمى أيضا وحدة الذات .
ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة (هوية).أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث،فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير،وهو يشمل الامتياز عن الغير والمطابقة للنفس ،أي خصوصيات الذات،وما يتميز به الفرد والمجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات،ومن قيم ومقومات.وخلاصة القول أن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم هي القدر الثابت الجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة،التي تميز حضارة هذه الأمة من غيرها من الحضارات،والتي تجعل للشخصية الوطنية والقومية الأخرى.
فكيف يتسنى المحافظة على الهوية الثقافية والحضارية في ظل العولمة الباسطة نفوذها اليوم على المجتمع الدولي؟
بل كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات السيادة الوطنية وبين متطلبات العولمة ؟
إن اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السلبي على الهوية والسيادة معا وأول ما يثير الانتباه عند التأمل في موقف الغرب من هويات الشعوب هو جمعه بين موقفين متناقضين،فهو من جهة شديد الاعتزاز بهويته حريص عليها.وهو من جهة ثانية رافض للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم لإحساسه بأن العولمة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية وتلك في نظر الغرب عموما،هي المعضلة الكبرى التي يصطدم بها.ويعتبر مفكروه عن هذه الحيرة الفكرية عن هذه الحيرة الفكرية بوضوحٍ وصراحةٍ لا مزيد عليهما.
ففي أحدث دراسة لصمويل هنتنغتون SAMUEL HUNTINGTON لم يُسلَّط عليها الضوء كما جرى مع دراسة له سابقة يتبين التناقض الذي تقع فيه القوة الجديدة المنفردة بزعامة العالم، وتتَّضح الحيرة العاصفة التي تسود مجتمع النخبة في الغرب. فقد كتب هنتنغتون في عدد شهري ( نوفمبر-ديسمبر 1996 ) من مجلة ( شؤون خارجية ) دراسة تحت عنوان مثير للغرابة فعلاً: [ الغرب: متفرد وليس عالمياً ] The west : unique, Not universal. يفرق فيها بين (التحديث ) Modernization- -وبين (التغريب) –Westernization- ويقول: » إن شعوب العالم غير الغربية لا يمكن لها أن تدخل في النسيج الحضاري للغرب، حتى وإن استهلكت البضائع الغربية، وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستمعت إلى الموسيقى الغربية.فرُوحُ أي حضارة هي اللغةُ والدين والقيم والعادات والتقاليد، وحضارة الغرب تتميز بكونها وريثة الحضارات اليونانية والرومانية والمسيحية الغربية، والأصول اللاتينية للغات شعوبها، والفصل بين الدين والدولة، وسيادة القانون، والتعددية في ظل المجتمع المدني، والهياكل النيابية، والحرية الفردية«.
ويضيف قائلاً: » إن التحديث والنمو الاقتصادي لا يمكن أن يحققا التغريب الثقافي في المجتمعات غير الغربية، بل على العكس، يؤديان إلى مزيد من التمسك بالثقافات الأصلية لتلك الشعوب.ولذلك فإن الوقت قد حان لكي يتخلى الغربُ عن وهم العولمة، وأن ينمي قوةَ حضارته وانسجامها وحيويتها في مواجهة حضارات العالم.وهذا الأمر يتطلب وحدةَ الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ورسمَ حدودِ العالم الغربي في إطار التجانس الثقافي «.
فهل العولمة صيغةٌ جديدةٌ من صيغ المواجهة الحضارية التي يخوضها الغربُ، بالمفهوم العام للغرب،ضد هويات الشعوب وثقافات الأمم،ومن أجل فرض هيمنةِ ثقافةٍ واحدة، وإخضاع العالم لسيطرةِ حضارةٍ واحدة؟
إن العولمة بهذا المفهوم تتعارض-تعارضاً تاماً-مع قواعد القانون الدولي، ومع طبيعة العلاقات الدولية، بل إنها تتعارضُ كليةً مع الاقتصاد الوطني، ومع السيادة الوطنية، ومع قانون التنوع الثقافي.والعولمة إذا سارت في الاتجاه المرسوم لها، ستكون إنذاراً بانهيار وشيكٍ للاستقرار العالمي، لأن العولمة بهذا المضمون تضرب الهوية الثقافية والحضارية في الصميم، وتنسف أساس التعايش الثقافي بين الشعوب. كما أن العولمة بهذا المفهوم الشمولي ذي الطابع القسري، ستؤدي إلى فوضى على مستوى العالم، في الفكر والسلوك، وفي الاقتصاد والتجارة، وفي الفنون والآداب وفي العلوم والتكنولوجيا أيضا.
وعلى الرغم من ذلك كُلِّه، فإن الإنسانية لا تملك أن تحرِّر في الوقت الراهن من ضغوط العولمة، نظراً إلى حاجتها الشديدة إلى مسايرة النظام العالمي الجديد في اتجاهاته الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية،ولكنها تستطيع إيجاد تيار ثقافي مُضاد يقف في مواجهة روح الهيمنة التي تنطوي عليها هذه العولمة فكرةً ونظاماً،وتطبيقاً وممارسةً،وفي التعامل مع الآثار المترتِّبة عليها،في انتظار بروز قِوى عالمية جديدة ستكون مُناوِئة للقوة المتحكمة حليا في مقاليد النظام العالمي،أو على الأقل منافِسَةٌ لها منافسة الند للند .
إن طائفة من علماء المستقبليات ومن الدارسين الإستراتيجيين،ومعظمُهم من الغرب نفسُه،يذهبون إلى القول بأن اختلالا حاسماً سيقع في ميزان القِوى العالمية على المُستويين السياسي والاقتصادي في العقد الأول من القرن الحالي.وسيترتَّب على ذلك،انقلاب جذريٌ في توجُّهات العولمة،وهو الأمر الذي سيكون تعزيزاً وترسيخاً وإعلاءً للشَّرعية الدولية القائمة على قواعد القانون الدولي،لا على منطق القوة والغلبة والظفر في معارك الحرب الباردة.
إننا،ومن خلال رؤية موضوعية إلى الواقع الدولي الراهن،نستطيع أن نقول إن الخيار المتاح والمفتوح على المستقبل،هو أن تتضافر الجهود الدولية لترسيخ مبدأ التنوع الثقافي،ولإنعاش فكرة الحوار بين الثقافات والحضارات، وللتأكيد على ضرورة تفعيل التعاون الدولي الثقافي في إطاره الشامل الذي يندرج تحته كلُّ أنماط التعبير الإنساني.وذلك للحدِّ من الآثار السلبية للعولمة في شكلها المُتَجَهِّم الذي لا يُقيمُ اعتباراً للهويات الثقافية والحضارية لشعوب العالم، والذي يؤدي إلى ظروف عسيرة عصيبة بما يتلاحق من مشاكل،ويتفجَّر من أزمات،ويتجهم من سحاب، ويتطاول للمادة من نفوذ،ويتضاءل من جاهٍ للروح وسلطان،ويشيع في النفوس من قلق وخوفٍ،ويتوالى على الألسنة والقلوب من أسئلة لا يطرحها التفاؤل والاستبشار كما قال جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله قبل ستة عشر عاماً.
إن تطوير التعاون الثقافي العام في إطار المنظمات الدولية المتخصصة وفقاً للمواثيق والمعاهدات والعهود والأوفاق الدولية،والعمل على تنويع هذا التعاون،من شأن ذلك أن يقلل من عنفوان الصدمات العاتية التي تهزُّ استقرار هويات الشعوب،وأن يؤدي إلى تعايش ثقافي حضاري حقيقي، وأن يضعف من تأثير العولمة على الهوية الثقافية والحضارية.
ومن خلال العمل الثقافي الدولي الذي يُثْري التنوعَ الثقافيَ ويوسع من قاعدته ليشملَ العالم كلَّه،يمكن أن تؤثر الإرادة الدولية في توجيه العولمة صوبَ مسائل العلم والمعرفة والتكنولوجيا،ليغلب الجانبُ الثقافيُّ والعلمي،على الجانب الاقتصادي والسياسي،وبذلك يتحقق قدرٌ من التوازن مطلوبٌ لحفظ مصالح الدول، ولصون حقوق الأفراد والجماعات ولحماية هويات الشعوب والأمم.
إن العولمة من هذه الناحية كان وسيظل أبداً إنجازاً يتجاوز حدود الأوطان، وإنه سيظل يتقدم على الرغم من (وربما بسبب) الاختلافات اللغوية والمنافسات القومية،ومن ثم فهود دوماً نشاطٌ حضاريٌ وإرثٌ للإنسانية جمعاء،وفضلاً عن ذلك فإن العلم في مدلوله العام وفي مفهومه الشامل لا يقتضي وحدةً سياسيةً بمعنى حكومة عالمية توحِّد الكل .ولذلك فمن المتاح أن يتعاون المجتمع الدولي في مجال العلم والتكنولوجيا والمعرفة العلمية عموماً على أوسع نطاق وإلى أبعد مستوي، بحيث تكون العولمة في هذا المجال الكوني الفسيح، علميةَ المحتوى،ثقافيةَ المنابع.
وإنه من العبث الظنُّ بأن النظام الدوليَّ الراهن، وسياسةَ العولمة التي تفرضها الدولة الأقوى في هذا العالم، هي بدايةٌ لمستقبل فسيح،فعملية التطور تستمر وتتطلب دائماً نظاماً أوسع للمجتمع الإنساني .
وتأسياً على ما سبق قولُه،فإن العولمة محكومٌ عليها أن تتعايشَ مع الهوية في إطار التنوع الثقافي، من أجل الازدهار الإنساني والسلام العالمي،وبذلك تصبح العولمةُ مرحلةً،وليست هيمنةً ومظلمة.

[ Next Thread | Previous Thread | Next Message | Previous Message ]

[ Contact Forum Admin ]


Forum timezone: GMT-8
VF Version: 3.00b, ConfDB:
Before posting please read our privacy policy.
VoyForums(tm) is a Free Service from Voyager Info-Systems.
Copyright © 1998-2019 Voyager Info-Systems. All Rights Reserved.